عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
427
اللباب في علوم الكتاب
أي : وهو يكفّر ؛ فيمن قرأ بالياء ، ونحن نكفّر ؛ فيمن قرأ بالنون ، أو وهي تكفّر ؛ فيمن قرأ بتاء التأنيث . والثالث : أنه عطف على محلّ ما بعد الفاء ، إذ لو وقع مضارع بعدها ، لكان مرفوعا ؛ كقوله تبارك وتعالى : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [ المائدة : 95 ] ، ونظيره وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأعراف : 186 ] في قراءة من رفع . ومن نصب ، فعلى إضمار « أن » ؛ عطفا على مصدر متوهّم ، مأخوذ من قوله : « فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » ، والتقدير : وإن تخفوها يكن ، أو يوجد خير لكم وتكفير . ونظيرها قراءة من نصب : « فيغفر » بعد قوله : يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [ البقرة : 284 ] ، إلّا أنّ تقدير المصدر في قوله : « يحاسبكم » ثمّ أسهل منه هنا ؛ لأنّ ثمّة فعلا مصرّحا به ، وهو « يحاسبكم » ، والتقدير : يقع محاسبة فغفران ، بخلاف هنا ، إذ لا فعل ملفوظ به ، وإنما قدّرنا المصدر من مجموع قوله : « فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » . وقال الزمخشريّ : « ومعناه : وإن تخفوها ، يكن خيرا لكم ، وأن يكفّر » قال أبو حيّان « 1 » : « وظاهر كلامه هذا أنّ تقديره : « وأن يكفّر » يكون مقدّرا بمصدر ، ويكون معطوفا على « خيرا » الذي هو خبر « يكن » التي قدّرها ، كأن قال : يكن الإخفاء خيرا لكم وتكفيرا ، فيكون « أن يكفّر » في موضع نصب ، والذي تقرّر عند البصريّين : أنّ هذا المصدر المنسبك من : « أن » المضمرة مع الفعل المنصوب بها ، هو معطوف على مصدر متوهّم مرفوع ، تقديره من المعنى . فإذا قلت : « ما تأتينا فتحدثنا » فالتقدير : ما يكون منك إتيان فحديث ، وكذلك : « إن تجىء وتحسن إليّ ، أحسن إليك » التقدير : إن يكن منك مجيء ، وإحسان أحسن إليك ، فعلى هذا يكون التقدير : وإن تخفوها ، وتؤتوها الفقراء ، فيكون زيادة خير للإخفاء على خير الإبداء وتكفير » . انتهى . قال شهاب الدين : ولم أدر ما حمل الشيخ على العدول عن تقدير أبي القاسم ، إلى تقديره وتطويل الكلام في ذلك ؛ مع ظهور ما بين التقديرين ؟ وقال المهدويّ : « هو مشبّه بالنصب في جواب الاستفهام ، إذ الجزاء يجب به الشيء ، لوجوب غيره كالاستفهام » . وقال ابن عطيّة : « الجزم في الراء أفصح هذه القراءات ؛ لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء ، وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء ، وأمّا رفع الراء ، فليس فيه هذا المعنى » قال أبو حيان « 2 » : « ونقول إنّ الرفع أبلغ وأعمّ ؛ لأنّ الجزم يكون على أنّه معطوف على جواب الشرط الثاني ، والرفع يدلّ على أنّ التكفير مترتّب من جهة المعنى على بذل الصدقات أبديت ، أو أخفيت ، لأنّا نعلم أنّ هذا التكفير متعلّق بما قبله ، ولا يختصّ التكفير بالإخفاء فقط ، والجزم يخصّصه به ، ولا يمكن أن
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 339 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 339 .