عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
424
اللباب في علوم الكتاب
وروي عنهم الإسكان أيضا ، واختاره أبو عبيد ، وحكاه لغة للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - في [ نحو ] قوله : « نعمّا المال الصالح مع الرجل الصالح » « 1 » . والجمهور على اختيار الاختلاس على الإسكان ، بل بعضهم يجعله من وهم الرواة عن أبي عمرو ، وممّن أنكره المبرد ، والزجاج « 2 » والفارسي ، قالوا : لأنّ فيه جمعا بين ساكنين على غير حدّهما . قال المبرد : « لا يقدر أحد أن ينطق به ، وإنما يروم الجمع بين ساكنين فيحرّك ، ولا يشعر » وقال الفارسي : « لعل أبا عمرو أخفى فظنّه الراوي سكونا » . وقد تقدّم الكلام على « ما » اللاحقة لنعم ، وبئس . و « هي » مبتدأ ضمير عائد على الصدقات على حذف مضاف ، أي : فنعم إبداؤها ، ويجوز ألّا يقدّر مضاف ، بل يعود الضمير على « الصّدقات » بقصد صفة الإبداء ، تقديره : فنعمّا هي ، أي : الصدقات المبداة . وجملة المدح خبر عن « هي » ، والرابط العموم ، وهذا أولى الوجوه ، وقد تقدّم تحقيقها . والضمير في « وَإِنْ تُخْفُوها » يعود على الصدقات . قيل : يعود عليها لفظا ومعنى ، وقيل : يعود عليها لفظا لا معنى ؛ لأنّ المراد بالصدقات المبداة : الواجبة ، وبالمخفاة : المتطوّع بها ، فيكون من باب « عندي درهم ، ونصفه » ، أي : ونصف درهم آخر ؛ وكقول القائل : [ الوافر ] 1236 - كأنّ ثياب راكبه بريح * خريق وهي ساكنة الهبوب « 3 » أي : وريح أخرى ساكنة الهبوب ، ولا حاجة إلى هذا في الآية . والفاء في قوله : « فهو » جواب الشرط ، والضمير يعود على المصدر المفهوم من « تخفوها » أي : فالإخفاء ، كقوله : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة : 8 ] و « لكم » صفة لخير ، فيتعلّق بمحذوف . و « خير » يجوز أن يكون للتفضيل ، فالمفضّل عليه محذوف ، أي : خير من إبدائها ، ويجوز أن يراد به الوصف بالخيريّة ، أي : خير لكم من الخيور . وفي قوله : « إِنْ تُبْدُوا ، وَإِنْ تُخْفُوها » نوع من البديع ، وهو الطّباق اللّفظيّ . وفي قوله « وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ » طباق معنوي ؛ لأنه لا يؤتي الصدقات إلا الأغنياء ، فكأنه قيل : إن يبد الأغنياء الصدقات ، وإن يخف الأغنياء الصدقات ، ويؤتوها الفقراء ، فقابل الإبداء بالإخفاء لفظا ، والأغنياء بالفقراء معنى .
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم ( 2 / 236 ) وأحمد ( 4 / 202 ) وابن أبي شيبة ( 7 / 18 ) والطبراني في « الأوسط » و « الكبير » وأبو يعلى كما في « المجمع » ( 9 / 356 ) وقال الهيثمي : ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح . وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم وقال الذهبي صحيح . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 353 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 338 ، الدر المصون 1 / 650 .