عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
399
اللباب في علوم الكتاب
قال القرطبي « 1 » : الجنة هي البستان ، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار ، حتى تغطيها ، مأخوذة من لفظ الجنّ والجنين ، لاستتارهم . قوله : « بربوة » في محلّ جرّ ؛ لأنه صفة لجنة . والباء ظرفية بمعنى « في » ، أي : جنة كائنة في ربوة . والربوة : أرض مرتفعة طيبة ، قاله الخليل . وهي مشتقة من : ربا يربو ، أي : ارتفع ، وتفسير السدّيّ لها بما انخفض من الأرض ليس بشيء . ويقال : ربوة ورباوة ، بتثليث الراء فيهما ، ويقال - أيضا - : رابية ، قال القائل : [ الطويل ] 1221 - وغيث من الوسميّ حوّ تلاعه * أجابت روابيه النّجاء هواطله « 2 » وقرأ « 3 » ابن عامر ، وعاصم : « ربوة » بالفتح ، والباقون : بالضمّ ، قال الأخفش « 4 » : « ونختار الضمّ ؛ لأنه لا يكاد يسمع في الجمع إلا الرّبا » يعني فدلّ ذلك على أن المفرد مضموم الفاء ، نحو برمة ، وبرم ، وصورة ، وصور . وقرأ ابن عباس « 5 » : « ربوة » بالكسر ، [ والأشهب ] العقيلي : « رباوة » ، مثل رسالة ، وأبو جعفر : « رباوة » مثل كراهة ، وقد تقدّم أنّ هذه لغات . فصل [ في معني الربوة ] تقدم أنّ الربوة : هي المرتفع من الأرض ، ومنه الرابية ، لأن أجزاءها ارتفعت ومنه الرّبو إذا أصابه نفس في جوفه زائد ، ومنه الرّبا ؛ لأنه الزيادة قال المفسّرون « 6 » : إن البستان إذا كان في ربوة من الأرض ، كان أحسن ، وأكثر ريعا . قال ابن الخطيب « 7 » : وفيه إشكال : وهو أن البستان إذا كان في موضع مرتفع من الأرض ، فلا ترتفع إليه الأنهار ، وتضر به الرياح كثيرا ؛ فلا يحسن ريعه وإذا كان في وهدة من الأرض ، انصبت إليه مياه الأنهار ، ولا يصل إليه إثارة الرياح ، فلا يحسن أيضا ريعه فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة ، ولا وهدة فإذن ليس المراد من هذه الربوة ، ما ذكروه ، بل المراد منه كون الأرض طينا حرّا بحيث إذا نزل المطر عليها ، انتفخ وربا ونما ، فإن الأرض متى كانت بهذه الصفة يكثر ريعها ، وتكمل أشجارها ، ويؤيد هذا التأويل قوله تبارك تعالى وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 204 . ( 2 ) البيت لزهير : ينظر ديوانه ( 127 ) ، البحر 2 / 314 ، والدر المصون 1 / 640 . ( 3 ) انظر : السبعة 190 ، والكشف 1 / 313 ، وحجة القراءات 146 ، والعنوان 75 ، وشرح الطيبة 4 / 120 ، وشرح شعلة 297 ، وإعراب القراءات 1 / 98 ، 99 ، وإتحاف 1 / 452 . ( 4 ) ينظر : معاني القرآن للأخفش 184 . ( 5 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 359 ، والبحر المحيط 2 / 324 ، والدر المصون 1 / 640 . ( 6 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 50 . ( 7 ) ينظر : المصدر السابق .