عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

395

اللباب في علوم الكتاب

فصل في « هل تعطى الصّدقة للأقارب » قال القرطبي « 1 » : كره مالك لهذه الآية أن يعطي الرّجل صدقته الواجبة أقاربه ؛ لئلا يعتاض منهم الحمد ، والثّناء ، ويظهر منّته عليهم ، ويكافئوه عليها ، فلا تخلص لوجه اللّه - تعالى - واستحبّ أن يعطيها الأجانب ، واستحبّ أيضا أن يولّي غيره تفريقها ، إذا لم يكن الإمام عدلا ؛ لئلا تحبط بالمنّ والأذى ، والشّكر ، والثّناء ، والمكافأة بالخدمة من المعطى بخلاف صدقة التّطّوع السّرّ ؛ لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد . فصل في كيفيّة التّشبيه في الآية في كيفيّة هذا التّشبيه وجهان : الأول : ما تقدّم أنّ العمل الظّاهر كالتّراب والمانّ والمؤذي والمنافق كالصّفوان يوم القيامة كالوابل ، هذا على قولنا ، وأما على قول المعتزلة فالمنّ والأذى كالوابل « 2 » . الوجه الثاني : قال القفّال « 3 » رحمه اللّه : إنّ أعمال العباد يجازون بها يوم القيامة ، فمن عمل بالإخلاص ، فكأنّه طرح بذرا في الأرض ، فهو ينمو ، ويتضاعف له ، حتى يحصده في وقته ، ويجده وقت حاجته ، والصّفوان محلّ بذر المنافق ، ومعلوم أنّه لا ينمو فيه شيء ، ولا يكون فيه قبول للبذر ، والمعنى أنّ عمل المانّ ، والمؤذي ، والمنافق كالبذر المطروح في تراب قليل على صفوان ، فإذا أصابه مطر بقي مستودع بذره خاليا ، لا شيء فيه ؛ ألا ترى أنّه تعالى : ضرب مثل المخلص بجنّة فوق ربوة ؟ والجنّة ما يكون فيها أشجار ونخيل ، فمن أخلص للّه ، كان كمن غرس بستانا في ربوة من الأرض ، فهو يجني ثمر غراسه في أوقات حاجته « وهي تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها » متضاعفة زائدة . ثم قال تعالى « لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا » . وفيه قولان مبنيّان على ما تقدّم في الإعراب ، فعلى الأوّل لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التّراب الّذي كان على ذلك الصّفوان ، لزوال التّراب ، وما فيه من البذر بالمطر ، فلم يقدر أحد على الانتفاع به ، وهذا يقوّي تشبيه القفّال ، وإن عاد الضّمير إلى الّذي ينفق ، فإنما أشير به إلى الجنس والجنس في حكم العامّ ، ثم قال « وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » . فصل في التّحذير من الرّياء قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر » قالوا يا رسول اللّه : وما الشّرك الأصغر ؟ قال : « الرّياء ، يقول اللّه لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 202 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 48 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 48 .