عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
384
اللباب في علوم الكتاب
- فقال : كانت عندي ثمانية آلاف ، فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أقرضتها ربّي ، فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « بارك اللّه لك فيما أمسكت ، وفيما أعطيت » « 1 » فنزلت الآية . وقال بعض المفسّرين « 2 » : إن الآية المتقدّمة مختصّة فيمن أنفق على نفسه وهذه الآية الكريمة فيمن أنفق على غيره ، فبين تعالى أنّ الإنفاق على الغير ، يوجب الثّواب المذكور في الآية المتقدّمة ، إذا لم يتبعه « منّ » ، « ولا أذى » قال القفّال « 3 » : وقد يحتمل أن يكون هذا الشّرط معتبرا أيضا فيمن أنفق على نفسه كمن ينفق على نفسه في الجهاد مع النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - والمؤمنين ، ولا يؤذي أحدا من المؤمنين ، مثل أن يقول : لو لم أحضر لما تمّ هذا الأمر ، ويقول لغيره : أنت ضعيف لا منفعة بك في الجهاد . وقال بعضهم : « في سبيل » ، أي : طاعة اللّه - تعالى - ؛ ولا يمنّ بعطائه ، ولا يعدّ عليه نعمه ، فيكدرها عليه ولا يؤذيه بأن يعيره ، فيقول : إلى كم تسأل ، وكم تؤذيني ؟ وقيل : الأذى أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه . وقال سفيان : « مَنًّا وَلا أَذىً » : هو أن يقول : قد أعطيتك ، فما شكرت « 4 » . قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان أبي يقول : إذا أعطيت رجلا شيئا ، ورأيت أنّ سلامك يثقل عليه ، فكف سلامك عنه ، فحظر اللّه على عباده المنّ بالصّنيعة « 5 » ، واختصّ به صفة لنفسه ؛ لأنّه من العباد تعيير وتكدير ، ومن اللّه إفضال ، وتذكير ، وإنّما كان المنّ ، والأذى مذموما ، لأنّ الفقير الآخذ للصّدقة منكسر القلب ، لأجل حاجته إلى صدقة غيره معترف باليد العليا للمعطي ، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك : إظهار ذلك الإنعام ، زاد ذلك في انكسار قلبه ، فيكون في حكم المضرّة بعد المنفعة ، وينفّر أهل الحاجة عن الرّغبة في صدقته « 6 » إذا اشتهر بتلك الطّريقة ، وأمّا « الأذى » ، فمنهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين ، وليس بظاهر ، بل اختصاصه بما تقدّم من أذى الفقير أولى . فإن قيل : ظاهر اللّفظ : أنّ مجموع المنّ ، والأذى يبطلان الأجر ، فيلزم منه أنّه لو وجد أحدهما دون الآخر ، لا يبطل الأجر . قلنا : بل الشّرط ألّا يوجد واحد منهما ؛ لأن قوله « لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً » يقتضي ألّا يقع منه ، لا هذا ، ولا ذاك . فصل في دفع شبهة للمعتزلة قالت المعتزلة : الآية الكريمة دلّت على أنّ الكبائر تحبط ثواب فاعلها ؛ وذلك لأنّ اللّه - تعالى - بين أنّ هذا الثّواب إنّما يبقى إذا لم يوجد المنّ والأذى ؛ لأنّه لو ثبت مع
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 40 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 40 . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 250 . ( 5 ) في ب : بالنفقة بما . ( 6 ) في ب : رغبته .