عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
366
اللباب في علوم الكتاب
بالمعنى ، وهذا من قسم ما اعتبر فيه جانب اللفظ دون المعنى ، نحو : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ [ البقرة : 6 ] وقد تقدّم تحقيقه واللّه أعلم . قوله : « ليطمئنّ » اللام لام كي ، فالفعل منصوب بعدها ، بإضمار « أن » ، وهو مبنيّ لاتّصاله بنون التوكيد واللام متعلّقة بمحذوف بعد « لكن » تقديره : ولكن سألتك كيفية الإحياء للاطمئنان ، ولا بدّ من تقدير حذف آخر ، قبل « لكن » ؛ حتّى يصحّ معه الاستدراك ، والتقدير : بلى آمنت ، وما سألت غير مؤمن ، ولكن سألت ليطمئنّ قلبي ليحصل الفرق بين المعلوم بالبرهان وبين المعلوم عيانا . قال السّدّيّ ، وابن جبير : « أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ » بأنّك خليلي « قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي » بالخلّة « 1 » . والطّمأنينة : السكون ، وهي مصدر « اطمأنّ » بوزن : اقشعرّ ، وهي على غير قياس المصادر ، إذ قياس « اطمأنّ » أن يكون مصدره على الاطمئنان . واختلف في « اطمأنّ » هل هو مقلوب ، أم لا ؟ فمذهب سيبويه « 2 » - رحمه اللّه - أنه مقلوب من « طأمن » ، فالفاء طاء ، والعين همزة ، واللام ميم ، فقدّمت اللام على العين فوزنه : افلعلّ بدليل قولهم : طامنته ، فتطامن . ومذهب الجرمي : أنه غير مقلوب ، وكأنّه يقول : إنّ اطمأنّ وطأمن مادّتان مستقلّتان ، وهو ظاهر كلام أبي البقاء « 3 » فإنه قال : والهمزة في « ليطمئنّ » أصل ، ووزنه يفعللّ ، ولذلك جاء فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ [ النساء : 103 ] مثل : « اقشعررتم » . انتهى . فوزنه على الأصل دون القلب ، وهذا غير بعيد ؛ ألا ترى أنّهم في : جبذ ، وجذب ، قالوا : ليس أحدهما مقلوبا من الآخر لاستواء المادّتين في الاستعمال . ولترجيح كلّ من المذهبين موضع غير هذا . فصل في الداعي على السؤال ذكروا في سبب سؤال إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - وجوها : أحدها : قال الحسن ، والضحاك ، وقتادة ، وعطاء ، وابن جريج : أنّه رأى جيفة مطروحة على شطّ البحر ، قال ابن جريج « 4 » : جيفة حمار ، بساحل البحر وقال عطاء : بحيرة طبريّة ؛ فإذا مدّ البحر أكل منها دوابّ البحر ، وإذا جزر البحر ، جاءت السّباع وأكلت ، وإذا ذهب السباع ، جاءت الطيور ، فأكلت وطارت ، فقال إبراهيم : ربّ أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السباع ، والطيور ، ودوابّ البحر ؟ فقيل : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ، ولكن المطلوب من السؤال « 5 » أن يصير العلم الاستدلاليّ ضروريّا .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 489 ) . ( 2 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 2 / 380 . ( 3 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 103 . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 247 . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 486 - 487 ) .