عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

36

اللباب في علوم الكتاب

وروي عن عليّ - رضي اللّه عنه - في النرد ، والشّطرنج « 1 » : أنّه من الميسر « 2 » . وقال الشّافعيّ - رضي اللّه عنه - : إذا خلا الشّطرنج عن الرهان واللّسان عن الطّغيان ، والصّلاة عن النّسيان ؛ لم يكن حراما ، وهو خارج عن الميسر ؛ لأنّ الميسر ما يوجب دفع مال ، أو أخذ مال ، وهذا ليس كذلك ، فلا يكون قمارا ولا ميسرا . وأمّا السّبق « 3 » في الخفّ ، والحافر ، والنّشاب ، فخصّ بدليل . قوله : « فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ » الجارّ خبر مقدّم ، و « إثم » مبتدأ مؤخّر ، وتقديم الخبر هنا ليس بواجب ، وإن كان المبتدأ نكرة ، لأنّ هنا مسوغا آخر ، وهو الوصف ، أو العطف ، ولا بدّ من حذف مضاف أيضا ، أي : في تعاطيهما إثمّ ؛ لأنّ الإثم ليس في ذاتهما . وقرأ « 4 » حمزة والكسائيّ : « كثير » بالثّاء المثّلثة ، والباقون بالباء ثانية الحروف . ووجه قراءة الجمهور واضح ، وهو أنّ الإثم يوصف بالكبر مبالغة في تعظيم الذّنب ، ومنه آية إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [ النساء : 2 ] . وسمّيت الموبقات : « الكبائر » ، ومنه قوله تعالى : يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ [ الشورى : 37 ] ، و كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ النساء : 31 ] وشرب الخمر ، والقمار من الكبائر ، فناسب وصف إثمهما بالكبر ، وقد أجمعت السّبعة على قوله : « وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » بالباء الموّحدة ، وهذه توافقها لفظا . وأمّا وجه قراءة الأخوين : فإمّا باعتبار الآثمين من الشّاربين ، والمقامرين ، فلكلّ واحد إثم ، وإمّا باعتبار ما يترتّب [ على تعاطيهما من توالي العقاب ، وتضعيفه ، وإمّا

--> ( 1 ) هو بكسر أوله وفي لغة بالسين ، وفيه أربع لغات كسر الشين وفتحها والإعجام . والإهمال ، والأشهر الإعجام مع الكسر ويجمع على شطارج ، وأصله في اللغة الأعجمية : « شش رنك » ومعناه : ستة ألوان ؛ لأن « شش » ستة و « رنك » ألوان وهي أعني : الستة الشاه - والفرزان - والفيل - والفرس - والرخ - والبيدق . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 324 ) عن القاسم بن محمد بمعناه . ( 3 ) السبق - بالسكون - مصدر سبق أي : تقدم ، وبالتحريك المال الموضوع بين أهل السباق ، والرمي يشمل الرمي بالسهام والمزاريق وغيرهما . وهذا الباب من مبتكرات إمامنا الشافعي - رضي اللّه تعالى عنه - التي لم يسبق إليها كما قاله المزني وغيره . والمسابقة الشاملة للمناضلة سنة للرجال المسلمين ؛ بقصد الجهاد بالإجماع ، ولقوله تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [ الأنفال : 60 ] الآية . وفسّر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم القوة بالرمي ؛ ولخبر أنس : كانت العضباء ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها ، فشقّ ذلك على المسلمين ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن حقا على اللّه ألّا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه » ( 4 ) انظر : السبعة 182 ، والكشف 1 / 291 ، والعنوان 74 ، ووقع فيه : بالتاء [ المثناة ] وهو تحريف أو خطأ مطبعي . وانظر : حجة القراءات 132 ، 133 ، والحجة 2 / 307 ، وشرح الطيبة 4 / 99 ، وشرح شعلة 289 ، وإتحاف 1 / 437 .