عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

344

اللباب في علوم الكتاب

الإشكال الثالث : أنّه وإن كان يحسن الانتقال من دليل إلى دليل آخر ، أو من مثال إلى مثال آخر ، لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب ، وهاهنا ليس كذلك ؛ لأنّ جنس الإحياء والإماتة لا قدرة للخلق عليهما ، وأما جنس تحريك الأجسام ، فللخلق قدرة عليه ولا يبعد في العقل وجود ملك عظيم في الجثة أعظم من السماوات ، وأنه هو الذي يحرّك السماوات ، وعلى هذا التقدير فالاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصّانع أقوى وأظهر من الاستدلال بطلوع الشّمس على وجود الصانع ، فكيف يليق بالمعصوم أن ينتقل من الدّليل الأوضح الأظهر إلى الدليل الخفيّ . الإشكال الرابع : أن دلالة الإحياء والإماتة على وجود الصّانع أقوى وأظهر من دلالة طلوع الشّمس عليه ؛ لأنّا نرى في ذات الإنسان وصفاته تبدّلات واختلافات ، والتبدّل قويّ الدلالة على الحاجة إلى المؤثّر القادر ، وأمّا الشمس فلا نرى في ذاتها تبدّلا ، ولا في صفاتها ، ولا في منهج حركاتها « 1 » ألبتّة ، فكانت دلالة الإحياء والإماتة على الصانع أقوى ، فكان العدول « 2 » منه إلى طلوع الشمس انتقالا من الأجلى لأقوى للأضعف الأخفى ، وإنه لا يجوز . الإشكال الخامس : أنّ النمروذ ، لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن اللّه تبارك وتعالى بالقتل « 3 » والتخلية ، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشّمس أن يقول : طلوع الشمس من المشرق مني ، فإن كان لك إله ، فقل له يطلعها من المغرب ؛ وعند ذلك التزم المحقّقون من المفسّرين ذلك ، فقالوا : إنه لو أورد هذا السّؤال ، لكان من الواجب أن تطلع الشّمس من المغرب ، ومن المعلوم : أن إفساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من إلزامه بطلوع الشّمس من المغرب ، ولا يكون طلوع الشّمس من المشرق دليلا على وجود الصّانع ، وحينئذ يصير دليله الثّاني ضائعا ؛ كما صار دليله الأوّل ضائعا ، فالذي حمل سيدنا إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - على أن يترك الجواب عن ذلك السؤال الرّكيك ، والتزام الانقطاع ، واعترف بالحاجة إلى الانتقال والتمسّك بدليل لا يمكنه تمشيته ، إلا بالتزام طلوع الشّمس من المغرب ، وبتقدير أن يأتي باطلاع الشمس من المغرب ، فإنه يضيع دليله الثّاني أيضا كما ضاع الأوّل ، والتزام هذه المحذورات لا يليق بأقلّ الناس علما ؛ فضلا عن أفضل العقلاء ، وأعلم العلماء ؛ فظهر بهذا أنّ الذي أجمع جمهور المفسّرين عليه ضعيف . قال ابن الخطيب « 4 » : وأما الوجه الذي ذكرناه ، فلا يتوجّه عليه شيء من هذه الإشكالات ، لأنّا نقول : لما احتجّ إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - بالإحياء والإماتة ، أورد الخصم عليه سؤالا لا يليق بالعقلاء ، وهو أنّك إذا ادعيت الإحياء والإماتة لا

--> ( 1 ) في ب : فكان . ( 2 ) في ب : المعدول . ( 3 ) في ب : بالعقل . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 24 .