عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
321
اللباب في علوم الكتاب
والمقصود من هذا الكلام : أنّه عالم بأحوال الشّافع ، والمشفوع له ، فيما يتعلّق باستحقاق الثّواب والعقاب ؛ لأنّه عالم بجميع المعلومات « 1 » لا يخفى عليه شيء والشّفعاء لا يعلمون من أنفسهم أنّ لهم من الطّاعة « 2 » ما يستحقّون به هذه المنزلة العظيمة عند اللّه ، ولا يعلمون أنّ اللّه هل « 3 » أذن لهم في تلك الشّفاعة ، أم لا . قوله : « بشيء » متعلّق ب « يحيطون » . والعلم هنا بمعنى المعلوم ؛ لأنّ علمه تعالى الذي هو صفة قائمة بذاته المقدّسة لا يتبعّض ، ومن وقوع العلم موقع المعلوم قولهم : « اللّهمّ اغفر لنا علمك فينا » وحديث موسى ، والخضر - عليهما الصّلاة والسّلام - « ما نقص علمي وعلمك من علمه إلّا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر » « 4 » ولكون العلم بمعنى المعلوم ، صحّ دخول التّبعيض ، والاستثناء عليه . و « من علمه » يجوز أن يتعلّق ب « يحيطون » ، وأن يتعلّق بمحذوف لأنه صفة لشيء ، فيكون في محلّ جر . و « بما شاء » متعلّق ب « يحيطون » أيضا ، ولا يضرّ تعلّق هذين الحرفين المتّحدين لفظا ومعنى بعامل واحد ؛ لأنّ الثاني ومجروره بدلان من الأول ، بإعادة العامل بطرق الاستثناء ، كقولك : « ما مررت بأحد إلّا بزيد » ، ومفعول « شاء » محذوف تقديره : إلا بما شاء أن يحيطوا به ، وإنما قدّرته كذلك لدلالة قوله : « وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ » . فصل [ في هؤلاء المذكورين في هذه الآية يحتمل أن يكونوا هم الملائكة ويحتمل أن يكونوا غيرهم ] هؤلاء المذكورون في هذه الآية يحتمل أن يكونوا هم الملائكة ، ويحتمل أن يكونوا الملائكة وسائر من يشفع يوم القيامة من النّبيين ، والصّديقين والشهداء والصالحين . وفي معنى الاستثناء قولان : أحدهما : أنّهم لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا ما أراد هو أن يعلمهم كما قالوا لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 32 ] . الثاني : أنّهم لا يعلمون الغيب إلّا بما شاء أن يطلع بعض أنبيائه على بعض الغيب كقوله تعالى عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 - 27 ] . قوله : « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » : الجمهور على « وسع » بفتح الواو وكسر السّين وفتح العين فعلا ماضيا . و « كرسيّه » بالرّفع على أنّه فاعله ، وقرئ « وسع » سكّن عين الفعل تخفيفا نحو : علم في علم . وقرئ أيضا : « وسع كرسيّه » بفتح الواو وسكون السين ورفع العين على الابتداء ، و « كرسيّه » خفض بالإضافة « السّموات » رفعا على أنه خبر للمبتدأ .
--> ( 1 ) في ب : المخلوقات . ( 2 ) في ب : الطاعات . ( 3 ) في ب : هو الذي . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 289 ، والدر المصون 1 / 615 .