عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

32

اللباب في علوم الكتاب

وأمّا حديث النّبيذ فلعلّه كان ماءا نبذت فيه تمرات ؛ لتذهب ملوحته فتغيّر طعم الماء قليلا إلى الحموضة ، وطبعه - عليه الصّلاة والسّلام - كان في غاية اللّطافة ، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطّعم ؛ فلذلك قطّب وجهه ، وإنما صبّ الماء فيه ؛ إزالة لتلك الحموضة ، أو الرائحة . وأمّا آثار الصّحابة ، فمتدافعة متعارضة . فصل في عدد الآيات التي نزلت بمكة في تحريم الخمر قالوا : نزل في الخمر أربع آيات بمكّة : قوله : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً [ النحل : 67 ] وكان المسلمون يشربونها ، وهي لهم حلال ، ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصّحابة قالوا : يا رسول اللّه ، أفتنا في الخمر ، فإنّها مذهبة للعقل مسلبة للمال ، فنزل قول تعالى : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ « 1 » [ البقرة : 219 ] ولما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه تقدّم في الخمر » ، فتركها قوم لقوله ( إِثْمٌ كَبِيرٌ ) وشربها قوم لقوله ( وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) . إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما ، فدعا ناسا من أصحاب النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأتاهم بخمر ، فشربوا ، وسكروا ، وحضرت صلاة المغرب ؛ فتقدّم بعضهم ليصلّي بهم فقرأ : « قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ » هكذا إلى آخر السورة بحذف « لا » ، فأنزل اللّه تعالى : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى « 2 » [ النساء : 43 ] فحرّم السّكر في أوقات الصلاة ، فلما نزلت هذه الآية ، تركها قوم ، وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصّلاة وتركها قوم في أوقات الصّلاة ، وشربوها في غير وقت الصّلاة ، حتّى كان الرّجل يشرب بعد صلاة العشاء ، فيصبح ، وقد زال عنه السّكر ، ويشرب بعد صلاة الصّبح ، فيصحو إذا جاء وقت الظّهر ، واتخذ عتبان بن مالك صبغا ودعا رجالا من المسلمين ، فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير ، فأكلوا منه ، وشربوا الخمر ، حتى أخذت منهم ، ثمّ إنّهم افتخروا عند ذلك ، وانتسبوا ، وتناشدوا ، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار ، وفخر لقومه ، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير ، فضرب به رأس سعد ؛ فشجّه موضّحة « 3 »

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 5 / 236 - 237 ) رقم ( 3049 ) والنسائي ( 8 / 286 ) رقم ( 5540 ) وأبو داود ( 2 / 349 ) رقم ( 3670 ) والحاكم ( 2 / 278 ) وأورده السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 452 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبي الشيخ وابن مردويه والضياء المقدسي في « المختارة » عن عمر . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 293 ) . ( 3 ) الموضحة لغة : هي الشّجة التي توضح العظم أي : تظهره . انظر : الصحاح 1 / 416 . اصطلاحا : عرفها الحنفية بأنها : هي التي توضح العظم ، أي تبينه . عرفها الشافعية بأنها : التي توضح العظم ، وإن لم يشاهد من أجل الدم الذي يستره . عرفها المالكية بأنها : ما أوضحت عظم الرأس ، والجبهة ، والخدين .