عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

298

اللباب في علوم الكتاب

ودفعوا ملكه بعد المسألة ، وكذلك ما جرى من أمر النهر ، فذكر ذلك كلّه تسلية للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم عمّا رأى من قومه من التّكذيب والحسد ، فقال : هؤلاء الرّسل الذين كلّم اللّه بعضهم ، ورفع الباقين درجات ، وأيّد عيسى بروح القدس ، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه لك من مشاهدة المعجزات ، فلا يحزنك ما ترى من قومك ، فلو شاء اللّه لم يختلف أمم أولئك ، ولكن ما قضى اللّه فهو كائن ، وما قدّره ، فهو واقع . فصل في المراد من تلك الرّسل أقوال : أحدها : أنّ المراد من تقدم ذكرهم من الأنبياء في القرآن كإبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، وموسى وغيرهم - صلوات اللّه عليهم - . الثاني : أنّ المراد من تقدّم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل ، وداود ، وطالوت على قول من يجعله نبيّا . الثالث : قال الأصمّ « 1 » : المراد منه الرّسل الذين أرسلهم اللّه لدفع الفساد ، وأشار إليهم بقوله : ولولا دفع اللّه النّاس بعضهم ببعض لفسدت الأرض » . قوله تعالى : « فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ » : يجوز أن يكون حالا من المشار إليه ، والعامل معنى الإشارة كما تقدّم ، وقال « تلك » ولم يقل أولئك الرّسل ؛ لأنه ذهب إلى معنى الجماعة كأنه قيل : تلك الجماعة ، ويجوز أن يكون مستأنفا ، ويجوز أن يكون خبر « تلك » على أن يكون « الرّسل » نعتا ل « تلك » ، أو عطف بيان أو بدلا . فصل في تفاضل الأنبياء أجمع الأمّة على أنّ الأنبياء بعضهم أفضل من بعض ، وأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل من الكلّ ، ويدلّ على ذلك وجوه : الأوّل : قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] فلما كان رحمة للعالمين ، لزم أن يكون أفضل من كلّ العالمين . الثاني : قوله : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [ الشرح : 4 ] قيل فيه لأنه قرن ذكره بذكره في الشّهادتين والأذان ، والتّشهد ، ولم يكن ذلك لسائر الأنبياء . الثالث : أنه تعالى قرن طاعته بطاعته فقال : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] وبيعته ببيعته فقال : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] وعزته بعزته فقال : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ [ المنافقون : 8 ] ورضاه برضاه فقال : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] ، وإجابته بإجابته فقال : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ [ الأنفال : 24 ] .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 165 .