عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
284
اللباب في علوم الكتاب
فإنّ معنى « لم يدع من المال إلّا مسحتا » لم يبق من المال إلّا مسحت ، فلذلك عطف عليه « مجلّف » بالرّفع مراعاة للمعنى المذكور . وفي البيت وجهان آخران ، أحدهما « 1 » . . . ولا بدّ من ذكر هذه المسألة لعموم فائدتها فأقول : إذا وقع في كلامهم استثناء موجب نحو : « قام القوم إلّا زيدا » فالمشهور وجوب النّصب على الاستثناء . وقال بعضهم : يجوز أن يتبع ما بعد « إلا » ما قبلها في الإعراب فتقول : « مررت بالقوم إلا زيد » بجرّ « زيد » واختلفوا في تابعيّة هذا ، فعبارة بعضهم أنّه نعت لما قبله ، ويقول : إنه ينعت بإلّا ، وما بعدها مطلقا سواء كان متبوعها معرفة ، أم نكرة مضمرا ، أم ظاهرا ، وهذا خارج عن قياس باب النّعت لما قد عرفت فيما تقدّم . ومنهم من قال : لا ينعت بها إلّا نكرة ، أو معرفة بأل الجنسيّة لقربها من النّكرة . ومنهم من قال : قول النّحويين هنا نعت : إنّما يعنون به عطف البيان ؛ ومن مجيء الاتباع بما بعد « إلّا » قوله : [ الوافر ] 1168 - وكلّ أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلّا الفرقدان « 2 » فصل [ في أنّ هذا الابتلاء ليتميز المطيع من المخالف ] لما ذكر تعالى أنّ هذا الابتلاء ليتميز المطيع من المخالف ، أخبر بعد ذلك بأنّهم لما هجموا على النّهر شرب أكثرهم ، وأطاع قليل ، فلم يشربوا ، فأمّا الّذين شربوا فروي أنّهم اسودّت شفاههم وغلبهم العطش ، ولم يرووا ، وبقوا على شطّ النّهر وجبنوا عن لقاء العدوّ ، وأمّا الّذين أطاعوا ، فقوي قلبهم ، وصحّ إيمانهم . قال السّدّيّ : كانوا أربعة آلاف « 3 » ، وقال الحسن ، وهو الصّحيح : أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلاثمائة ، وبضعة عشر « 4 » ، ويدلّ عليه قوله عليه الصّلاة والسّلام لأصحابه يوم بدر : « أنّتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النّهر ، وما جاز معه إلّا مؤمن » « 5 » . قال البراء بن عازب : وكنا يومئذ ثلاثمائة ، وثلاثة عشر رجلا « 6 » ولا خلاف بين
--> ( 1 ) موضع النقط بياض في الأصل . ( 2 ) تقدم برقم 624 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 348 ) . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 347 ) . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 347 - 348 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 564 ) وعزاه لابن جرير عن قتادة . ( 6 ) أخرجه البخاري ( 5 / 181 ) كتاب المغازي باب عدة أصحاب بدر رقم ( 3959 ) وأحمد ( 4 / 290 ) والطبري ( 5 / 346 ، 347 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 564 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في « دلائل النبوة » .