عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

280

اللباب في علوم الكتاب

ومعنى يطعمه : يذقه ؛ تقول العرب : « طعمت الشّيء » أي : ذقت طعمه ؛ قال : [ الطويل ] 1166 - فإن شئت حرّمت النّساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا « 1 » والنقاخ : الماء العذب المروي ، والبرد : هو النّوم . فصل [ في قوله « وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ » ] قال أهل اللّغة : وإنّما اختير هذا اللّفظ لوجهين : أحدهما : أنّ الإنسان إذا عطش جدّا ، ثم شرب الماء ، وأراد وصف ذلك الماء ، فإنّه يصفه بالطّعوم اللّذيذة ، فقوله « وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ » ، أي : وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون الماء في فمه موصوفا بالطّعوم الطّيّبة ؛ فإنه يجب عليه الاحتراز عنه ، وألا يشرب . الثاني : أنّ من جعل الماء في فمه ، وتمضمض به ، ثم أخرجه فإنّه يصدق عليه أنّه ذاقه وطعمه ، ولا يصدق عليه أنّه شربه ، فلو قال : ومن لم يشربه فإنّه مني ، كان المنع مقصورا على الشّرب . فلما قال « وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ » حصل المنع في الشّرب ، والمضمضة ، ومعلوم أنّ هذا التّكليف أشقّ ، فإنّ الممنوع من الشّرب ، إذا تمضمض بالماء وجد نوع خفّة وراحة . فإن قيل : هلّا قيل : « ومن لم يطعم منه » ليكون آخر الآية مطابقا لأوّلها ؟ فالجواب : إنّما اختير ذلك لفائدة وهي أنّ الفقهاء اختلفوا في أنّ من حلف ألّا يشرب من هذا النّهر . قال أبو حنيفة : لا يحنث إلا إذا كرع منه ؛ حتى لو اغترف بكوز من النّهر ، وشرب لا يحنث ؛ لأنّ الشّرب من الشّيء هو : أن يكون ابتداء شربه متّصلا بذلك الشّيء ، وهذا لا يحصل إلّا بالشّرب من النّهر . وقال الباقون : يحنث بالشّرب من الكوز ، إذا اغترف به من النّهر ؛ لأنّ هذا وإن كان مجازا ، فهو مجاز معروف ، وإذا تقرّر هذا فقوله : « من شرب منه فليس منّي » ظاهره : أنّ النّهي مقصور على الشّرب من النّهر ، حتّى لو اغترف بكوز ، وشرب ، لا يكون داخلا تحت النّهي فلما كان هذا الاحتمال قائما في اللّفظ الأوّل ذكر في اللّفظ الثّاني ما يزيل هذا الاحتمال ، فقال : « وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي » أضاف الطّعم والشّرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الاحتمال . فصل [ في المراد بنهر في الآية ] قال ابن عبّاس ، والسّدّيّ : إنّه نهر فلسطين « 2 » ، وقال قتادة والرّبيع : هو نهر بين

--> ( 1 ) البيت للعرجي ينظر ديوانه ( 109 ) ، البحر 2 / 273 ، الأضداد ( 64 ) التهذيب 14 / 105 ، الكشاف 1 / 224 ، اللسان : برد ، الدر المصون 1 / 604 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 340 - 341 ) عن ابن عباس وقتادة والسدي . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 564 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس .