عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

278

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 249 ] فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 249 ) [ قوله تعالى : « فصل » : أي : انفصل ، فلذلك كان قاصرا . وقيل : إنّ أصله التّعدّي إلى مفعول ولكن حذف ، والتقدير : فصل نفسه ثم إن هذا المفعول حذف حتى صار الفعل كالقاصر . و « بالجنود » متعلّق بمحذوف ؛ لأنه حال من « طالوت » أي مصاحبا لهم ] . وبين جملة قوله : « فلمّا فصل » وبين ما قبلها من الجمل جمل محذوفة يدلّ عليها فحوى الكلام وقوته ، تقديره : فلما أتاهم بالتّابوت أذعنوا له وأجابوا فملّكوا طالوت ، وتأهّبوا للخروج ، وهي كقوله : فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ [ يوسف : 45 ، 46 ] . ومعنى الفصل : القطع . يقال : فصلت اللّحم عن العظم فصلا ، وفاصل الرّجل شريكه وامرأته فصالا . ويقال للفطام فصال ؛ لأنّه يقطع عن الرّضاع وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه ، قال تعالى : وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ [ يوسف : 94 ] والجنود جمع جند ، وكل صنف من الخلق جند على حدة ، يقال للجراد الكثيرة : إنّها جنود اللّه ، ومنه قوله عليه الصّلاة والسّلام : « الأرواح جنود مجنّدة » « 1 » . فصل [ في خروج طالوت من البيت المقدس بالجنود ] روي أنّ طالوت خرج من بيت المقدس بالجنود ، وهم يومئذ سبعون ألفا ، وقيل : ثمانون ألف مقاتل ، وذلك أنّهم لمّا رأوا التّابوت لم يشكوا في النّصر ، فساروا إلى الجهاد ، فقال طالوت : لا حاجة لي في كلّ ما أرى ، لا يخرج معي رجل بنى بيتا لم يفرغ منه ، ولا تاجر مشتغل بالتّجارة ، ولا من تزوّج امرأة لم يبن بها ، ولا يتبعني إلا الشاب النّشيط الفارغ ، فاجتمع إليه مما اختار ثمانون ألفا ، وكان في حرّ شديد ، فشكوا قلّة الماء بينهم ، وبين عدوّهم وقالوا : إنّ المياه قليلة لا تحملنا ، فادع اللّه أن يجري لنا نهرا فقال : « إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ » ، واختلفوا في هذا القائل ، فقال الأكثرون هو طالوت ؛ لأنّه المذكور السّابق ، وعلى هذا ، فإنّه لم يقله عن نفسه ، فلا بدّ وأن يكون عن وحي أتاه عن ربّه وذلك يقتضي أنّه كان مع الملك نبيّ ، وقيل : القائل هو النّبيّ المذكور في أول

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 6 / 426 كتاب الأنبياء : باب الأرواح جنود مجندة ( 3336 ) ومسلم ( 4 / 2031 ) كتاب البر والصلة : باب الأرواح جنود مجندة ( 159 - 2638 ) .