عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

270

اللباب في علوم الكتاب

يفعل بكسر العين ، وإنما منع ذلك في « يسع » كون لامه حرف حلق ، ففتح عين مضارعه لذلك ، وإن كان أصلها الكسر ، فمن ثم قلنا : بين ياء وكسرة [ مقدرة ، والدّليل على ذلك أنّهم قالوا : وجل يوجل فلم يحذفوها لمّا كانت الفتحة أصلية غير عارضة ، بخلاف فتحة « يسع » و « يهب » وبابهما . فإن قيل : قد رأيناهم يحذفون هذه الواو ، وإن لم تقع بين ياء وكسرة ] ، وذلك إذا كان حرف المضارعة همزة نحو : « أعد » ، أو تاء نحو : « تعد » أو نونا نحو : « نعد » ، وكذلك في الأمر والمصدر نحو : « عد عدة حسنة » . فالجواب أنّ ذلك بالحمل على المضارع مع الياء طردا للباب ، كما تقدّم لنا في حذف همزة أفعل ، إذا صار مضارعا لأجل همزة المتكلّم ، ثم حمل باقي الباب عليه . وفتحت سين « السّعة » لمّا فتحت في المضارع لأجل حرف الحلق ، كما كسرت عين « عدة » لمّا كسرت في « يعد » إلا أنّه يشكل على هذا : وهب يهب هبة ، فإنهم كسروا الهاء في المصدر ، وإن كانت مفتوحة في المضارع لأجل أنّ العين حرف حلق ، فلا فرق بين « يهب » ، و « يسع » في كون الفتحة عارضة والكسرة مقدرة ، ومع ذلك فالهاء مكسورة في « هبة » ، وكان من حقّها الفتح لفتحها في المضارع ك « سعة » . و « من المال » فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بيؤت . والثاني : أنه متعلق بمحذوف لأنه صفة لسعة ، أي : سعة كائنة من المال . فصل اعلم أنّه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أنّه لمّا أجابهم إلى سؤالهم تولّوا ، بيّن في هذه الآية أنّ أوّل تولّيهم إنكارهم إمرة طالوت ، وذلك أنّهم لمّا طلبوا من نبيّهم أن يطلب من اللّه أن يعيّن لهم ملكا ؛ فأجابهم : بأنّ اللّه قد بعث لكم طالوت ملكا ، أظهروا التّولي عن طاعة اللّه ، وأعرضوا عن حكمه ، وقالوا : « أنّى يكون له الملك علينا » ، واستبعدوا ذلك . قال المفسّرون « 1 » : وسبب هذا الاستبعاد : أنّ النّبوّة كانت مخصوصة بسبط معيّن من أسباط بني إسرائيل ، وهم سبط لاوي بن يعقوب ، ومنه « موسى وهارون » وسبط المملكة سبط « يهوذا » ، ومنه « داود ، وسليمان » و « طالوت » لم يكن من أحد هذين السّبطين ، بل كان من ولد « بنيامين » فلهذا السّبب ؛ أنكروا كونه ملكا عليهم ، وزعموا أنّهم أحقّ بالملك منه ، ثمّ أكدوا هذه الشّبهة بشبهة أخرى وهي قولهم : « ولم يؤت سعة من المال » ، أي : فقير .

--> ( 1 ) انظر : المصدر السابق .