عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
264
اللباب في علوم الكتاب
اسم فاعلها ، وكذلك حكاه أبو البقاء « 1 » أيضا عن ابن الأعرابي ، وقد نصّ النحاة على أن « عسى » لا تتصرّف . واعلم أنّ مدلول « عسى » إنشاء لأنها للترجي أو للإشفاق ، فعلى هذا : فكيف دخلت عليها « هل » التي تقتضي الاستفهام ؟ فالجواب أن الكلام محمول على المعنى ، قال الزمخشري : « والمعنى : هل قاربتم ألّا تقاتلوا ، يعني : هل الأمر كما أتوقّعه أنكم لا تقاتلون ، أراد أن يقول : عسيتم ألا تقاتلوا ، بمعنى أتوقّع جبنكم عن القتال ، فأدخل « هل » مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالاستفهام التقرير ، وثبت أنّ المتوقّع كائن وأنه صائب في توقعه ؛ كقوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [ الإنسان : 1 ] معناه التقرير » وهذا من أحسن الكلام ، وأحسن من قول من زعم أنها خبر لا إنشاء ؛ مستدلا بدخول الاستفهام عليها ؛ وبوقوعها خبرا ل « إنّ » في قوله : [ الرجز ] 1160 - لا تكثرن إنّي عسيت صائما « 2 » وهذا لا دليل فيه ؛ لأنه على إضمار القول ؛ كقوله : [ البسيط ] 1161 - إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم * لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما « 3 » ولذلك لا توصل بها الموصولات ؛ خلافا لهشام . قوله : « وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ » هذه الواو رابطة لهذا الكلام بما قبله ، ولو حذفت لجاز أن يكون منقطعا ممّا قبله . و « ما » في محلّ رفع بالابتداء ، ومعناها الاستفهام ، وهو استفهام إنكار . و « لنا » في محلّ رفع خبر ل « ما » . و « أَلَّا نُقاتِلَ » فيه ثلاثة أوجه . أظهرها : أنّها على حذف حرف الجرّ وهو قول الكسائي والتقدير : وما لنا في ألّا نقاتل ، أي : في ترك القتال ، ثم حذفت « في » مع « أن » فجرى فيها الخلاف المشهور بين الخليل وسيبويه : أهي في محلّ جر أم نصب ؟ وهذا الجارّ يتعلّق بنفس الجارّ الذي هو « لنا » ، أو بما يتعلّق هو به على حسب ما تقدّم في « من بعد موسى » « 4 » . قال البغوي « 5 » : فإن قيل : فما وجه دخول « أن » في هذا الموضع ، والعرب لا
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 103 . ( 2 ) البيت لأبي مكعت ينظر أمالي ابن الشجري 1 / 212 ، الهمع 1 / 135 المغني 2 / 585 ، الدرر 1 / 112 ، التصريح 1 / 598 ، الخزانة 10 / 249 ، الدر المصون 1 / 599 . ( 3 ) البيت لأبي مكعت أخي بني سعد بن مالك في خزانة الأدب 10 / 247 ، 249 ، 250 ، والدرر 2 / 170 ، وشرح التصريح 1 / 298 ، وشرح شواهد المغني 2 / 914 ، ومغني اللبيب 2 / 585 ، وهمع الهوامع 1 / 135 . والدر المصون 1 / 599 . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 227 . ( 5 ) انظر : البحر المحيط 2 / 265 ، والدر المصون 1 / 600 .