عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
253
اللباب في علوم الكتاب
أتى بهذه الجملة مؤكّدة ب « إن » واللام ، وأتى بخبر « إنّ » : « ذو » الدّالة على الشّرف بخلاف « صاحب » . و « على النّاس » متعلق بفضل تقول : تفضّل فلان عليّ ، أو بمحذوف ؛ لأنه صفة له فهو في محلّ جرّ ، أي : فضل كائن على النّاس . وأل في النّاس للعموم . والمعنى أنّ هذه القصّة تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة اللّه تعالى ، وتزيل عن قلبه الخوف ، فكان ذكر هذه القصّة سببا لبعد العبد عن المعصية ، وقربه من الطّاعة ، فكان ذكر هذه القصّة فضلا وإحسانا من اللّه على عبده وقيل للعهد والمراد بهم : الّذين أماتهم لأنهم خرجوا من الدّنيا على المعصية ، ثم أعادهم إلى الدّنيا ؛ حتى تابوا . وقيل : المراد بالعهد أنّ العرب الذين كانوا منكرين للمعاد ؛ كانوا متمسّكين بقول اليهود في كثير من الأمور إذا سمعوا بهذه الواقعة ، فالظّاهر أنّهم يرجعون من الدين الباطل الّذي هو الإنكار إلى الدّين الحقّ ، وهو الإقرار بالبعث ، فيتخلّصون من العقاب ، وكان ذكر هذه القصّة ؛ فضلا من اللّه في حقّ هؤلاء . قوله : « وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ » هذا استدراك ممّا تضمّنه قوله « إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ » ؛ لأنّ تقديره : فيجب عليهم أن يشكروه لتفضّله عليهم بالإيجاد ، والرّزق ، ولكنّ أكثرهم غير شاكر . وهو كقوله : فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً [ الإسراء : 89 ] . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 244 ] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 244 ) قوله تعالى : « وقاتلوا » هذه الجملة فيها أقوال : أحدها : أنه عطف على قوله : « موتوا » وهو أمر لمن أحياهم اللّه بعد الإماتة بالجهاد ، [ أي ] فقال لهم : موتوا وقاتلوا ، روي ذلك عن ابن عبّاس ، والضّحاك . قال الطّبريّ : « ولا وجه لهذا القول » . والثاني : [ أنها معطوفة على قوله : « حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ » وما بينهما اعتراض . والثالث ] : أنّها معطوفة على محذوف تقديره : « فأطيعوا وقاتلوا ، أو فلا تحذروا الموت كما حذره الذين من قبلكم ، فلم ينفعهم الحذر » قاله أبو البقاء « 1 » . والظّاهر أنّ هذا أمر لهذه الأمة بالجهاد ، بعد ذكره قوما لم ينفعهم الحذر من الموت ، فهو تشجيع لهم ، فيكون من عطف الجمل ؛ فلا يشترط التوافق في أمر ولا غيره . قوله : « فِي سَبِيلِ اللَّهِ » فالسّبيل : هو الطّريق ، وسمّيت العبادات سبيلا إلى اللّه من حيث إنّ الإنسان بسلوكها يتوصّل إلى ثواب اللّه . قال القرطبي « 2 » : وهذا قول الجمهور ، وهو الّذي ينوى به أن تكون كلمة اللّه هي
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 101 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 154 .