عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
245
اللباب في علوم الكتاب
وعن جابر ، وابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - أنهما قالا : لا نفقة لها ، حسبها الميراث ، وهل تستحقّ السّكنى ؟ قال عليّ ، وابن عباس ، وعائشة - رضي اللّه عنهم - : لا تستحقّ السّكنى ، وهذا مذهب أبي حنيفة والمزنيّ . وقال عمر ، وابن عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وأمّ سلمة : إنها تستحقّ السّكنى ، وبه قال مالك ، والثّوريّ ، وأحمد . واحتجّ كلّ من الطّائفتين بخبر فريعة بنت مالك ، أخت أبي سعيد الخدريّ ، قتل زوجها ؛ فسألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : إنّي أرجع إلى أهلي ، فإنّ زوجي ما تركني في منزل يملكه ؛ فقال - عليه الصّلاة والسّلام - : « نعم » ، فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد ، أو في الحجرة دعاني فقال : « امكثي في بيتك حتّى يبلغ الكتاب أجله » « 1 » ، فاختلفوا في تنزيل هذا الحديث . فقيل : لم يوجب في الابتداء ، ثمّ أوجب ؛ فصار الأوّل منسوخا . وقيل : أمرها بالمكث في بيتها أجرا على سبيل الاستحباب ، لا على سبيل الوجوب . واحتجّ المزنيّ على أنّه لا سكنى لها فقال : أجمعنا على أنّه لا نفقة لها ؛ لأنّ الملك انقطع بالموت ، فكذلك السّكنى بدليل : أنهم أجمعوا على أنّ من وجب له نفقة ، وسكنى عن ولد ووالد على رجل ؛ فمات ؛ انقطعت نفقتهم ، وسكناهم ؛ لأنّ ماله صار ملكا للوارث ، فكذا هاهنا . وأجيب بأنّه لا يمكن قياس السّكنى على النفقة ؛ لأنّ المطلقة ثلاثا تستحقّ السّكنى بكلّ حال ، ولا تستحقّ النّفقة لنفسها عند المزنيّ . ولأن النّفقة وجبت في مقابلة التّمكين من الاستمتاع ، ولا يمكن هاهنا ، وأمّا السّكنى وجبت لتحصين النساء ، وهو موجود هاهنا فافترقا . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 241 إلى 242 ] وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241 ) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 242 ) إنّما أعاد ذكر المتعة هاهنا ؛ لزيادة معنى ؛ وذلك أنّ في غيرها بيان حكم غير الممسوسة ، وفي هذه الآية : بيان حكم جميع المطلّقات في المتعة . وقيل : لأنّه لما نزل قوله تعالى : « وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ » ، إلى قوله : حَقًّا
--> ( 1 ) أخرجه مالك في « الموطأ » ( 2 / 591 ) رقم ( 87 ) وأبو داود ( 2300 ) والترمذي ( 1 / 227 ) والنسائي ( 2 / 113 ) وابن ماجة ( 2031 ) وأحمد ( 6 / 370 ، 420 - 421 ) وابن أبي شيبة ( 5 / 184 ) والدارمي ( 2 / 168 ) ، والشافعي ( 1704 ) والبيهقي ( 7 / 434 ) . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .