عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

243

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : وجوب الاعتداد . ثم نسخ اللّه تعالى هذين الحكمين ، أمّا الوصية بالنفقة ، والسكنى ، فلثبوت ميراثها بالقرآن ، والسنة ، دلّت على أنّه لا وصيّة لوارث ، فصار مجموع القرآن والسنّة ناسخا لوجوب الوصيّة لها بالنفقة والسكنى في الحول . أمّا وجوب العدة في الحول ، فنسخ بقوله : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] . القول الثاني : وهو قول مجاهد : أنّ اللّه تعالى أنزل في عدّة المتوفى عنها زوجها آيتين : إحداهما : قوله يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] ، والأخرى هذه الآية ؛ فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين ، فنقول : إنّها إن لم تختر السّكنى في دار زوجها ، والأخذ من ماله ، وتركته ؛ فعدّتها هي الحول ، قال ابن الخطيب : وتنزيل « 1 » الآيتين على هذين التّقديرين أولى ؛ حتى يكون كل منهما معمولا به ، والجمع بين الدّليلين ، والعمل بهما أولى من اطراح أحدهما ، والعمل بالآخر . القول الثالث : قال أبو مسلم الأصفهانيّ « 2 » : معنى الآية : أنّ من يتوفّى منكم ، ويذرون أزواجا ، وقد وصّوا وصيّة لّأزواجهم ، بنفقة الحول ، وسكنى الحول ، فإن خرجن قبل ذلك ، وخالفن وصيّة أزواجهنّ ، بعد أن يقمن أربعة أشهر وعشرا ؛ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف ، أي : نكاح صحيح ؛ لأن إقامتهنّ بهذه الوصيّة غير لازمة . قال « 3 » : والسّبب : أنّهم كانوا في الجاهليّة يوصون بالنّفقة ، والسّكنى حولا كاملا ، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول فبيّن اللّه تعالى في هذه الآية أنّ ذلك غير واجب ، وعلى هذا التّقدير ، فالنّسخ زائل ، واحتجّ على ذلك بوجوه : أحدها : أنّ النّسخ خلاف الأصل ؛ فوجب المصير إلى عدمه ، بقدر الإمكان . الثاني : أنّ النّاسخ يكون متأخّرا عن المنسوخ في النّزول ، وإذا كان متأخّرا عنه في النّزول ، يجب أن يكون متأخّرا عنه في التّلاوة ، وهو إن كان جائزا في الجملة إلّا أنّ قولنا يعدّ من سوء التّرتيب ، وتنزيه كلام اللّه واجب بقدر الإمكان ، ولمّا كانت هذه الآية متأخّرة عن تلك في التّلاوة ؛ كان الأولى ألّا يحكم بكونها منسوخة بتلك . الثالث : أنّه ثبت عند الأصوليّين متى وقع التّعارض بين التّخصيص ، والنّسخ ، كان النّسخ أولى ، وهاهنا إن خصّصنا هاتين الآيتين بحالتين على ما هو قول مجاهد ؛ اندفع النّسخ ، فكان قول مجاهد أولى من التزام النّسخ من غير دليل ، وأمّا على قول أبي مسلم ، فيكون أظهر ؛ لأنكم تقولون : تقدير الآية : فعليهم وصيّة لأزواجهم ، أو تقديرها :

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 135 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق .