عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

23

اللباب في علوم الكتاب

وقال أبو حنيفة : يلزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج ، حجة الشّافعي قوله تعالى : فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ شرط في إحباط العمل أن يموت وهو كافر ، وهذا الشّخص لم يوجد في حقّه هذا الشّرط ؛ فوجب ألّا يصير عمله محبطا . فإن قيل : هذا معارض بقوله تعالى : وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الأنعام : 88 ] وقوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [ المائدة : 5 ] . ولا يقال : حمل المطلق على المقيّد واجب « 1 » ؛ لأنّا نقول : ليس هذا من باب المطلق والمقيّد ؛ فإنّهم أجمعوا على أنّ من علّق حكما بشرطين ، وعلقه بشرط ، أنّ الحكم ينزل عند أيّهما وجد كمن قال لعبده : أنت حرّ ؛ إذا جاء يوم الخميس ، ولم يكن في ملكه ، ثم اشتراه ، ثم جاء يوم الخميس ؛ عتق ولو كان باعه ، فجاء يوم الخميس وهو في ملكه عتق بالتعليق الأوّل . فصل في محل إحباط العمل ليس المراد من إحباط العمل نفس العمل ؛ لأنّ العمل شيء كما وجد ، فني وزال ، وإعدم المعدوم محال . ثمّ اختلف المتكلّمون فيه ؛ فقال المثبتون للإحباط والتّكفير : المراد منه أنّ عقاب الرّدّة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السّابق ، إمّا بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة ، أو لا بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي علي « 2 » . وقال المنكرون للإحباط : هذا المعنى المراد من الإحباط الوارد في كتاب اللّه ، هو أنّ المرتدّ إذا أتى بالرّدّة فتلك الرّدة عمل محبط ؛ لأنّ الآتي بالرّدّة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ثوابا ، فإذا لم يأت بذلك العمل الجيّد ، وأتى بدله بهذا العمل الرّديء ، لا يستفيد منه نفعا ، بل يستفيد منه أعظم المضارّ ، يقال : إنّه حبط عمله ، أي : بعمل باطل ، ليس فيه فائدة ، بل فيه مضرّة .

--> ( 1 ) انظر في المطلق والمقيّد المصادر التالية : البحر المحيط للزركشي 3 / 415 ، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3 / 3 ، سلاسل الذهب للزركشي ص 280 ، نهاية السول للإسنوي 2 / 319 ، زوائد الأصول له 298 ، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص 82 ، التحصيل من المحصول للأرموي 1 / 407 ، المستصفى للغزالي 2 / 185 ، حاشية البناني 2 / 44 ، الآيات البينات لابن قاسم العبادي 3 / 76 ، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 262 ، حاشية العطار على جمع الجوامع 2 / 79 ، المعتمد لأبي الحسين 1 / 288 ، تيسير التحرير لأمير بادشاه 1 / 238 ، ميزان الأصول للسمرقندي 1 / 561 ، كشف الأسرار للنسفي 1 / 422 ، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني 2 / 155 ، الوجيز للكراماستي ص 14 ، تقريب الوصول لابن جزيّ ص 83 ، إرشاد الفحول للشوكاني ص 164 ، شرح الكوكب المنير للفتوحي ص 420 ، نشر البنود للشنقيطي 1 / 258 ، وينظر الروضة لابن قدامة ( 136 ) الحدود للباجي ( 147 ) ، المدخل 260 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 33 .