عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
191
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً » إنما قال « عشرا » من غير تاء تأنيث في العدد والمراد عشرة أيام ؛ لوجوه : الأول : أنّ المراد « عشر ليال » مع أيامها ، وإنما أوثرت الليالي على الأيام في التاريخ لسبقها ؛ قال الزمخشريّ : « وقيل « عشرا » ذهابا إلى الليالي ، والأيام داخلة فيها ، ولا تراهم قطّ يستعملون التذكير ذاهبين فيه إلى الأيام ، تقول : « صمت عشرا » ، ولو ذكّرت خرجت من كلامهم ، ومن البيّن قوله تعالى : إِلَّا عَشْراً [ طه : 103 ] ، إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [ طه : 104 ] . الثاني : قال المبرّد : إنّ حذف التاء ؛ لأجل أنّ التقدير عشر مدد كلّ مدة منها يوم وليلة ، تقول العرب : « سرنا خمسا » أي : بين يوم وليلة ؛ قال : [ الطويل ] 1133 - فطافت ثلاثا بين يوم وليلة * وكان النّكير أن تضيف وتجأرا « 1 » والثالث : أنّ المعدود مذكر وهو الأيام ، وإنما حذفت التاء ؛ لأنّ المعدود المذكر ، إذا ذكر وجب لحاق التاء في عدده ؛ قالوا « صمنا خمسة أيّام » ، وإذا حذف لفظا ، جاز في العدد الوجهان : ذكر التاء وعدمها ، حكى الكسائيّ : « صمنا من الشّهر خمسا » ، ومنه الحديث : « وأتبعه بستّ من شوّال » ، وقال الشاعر : [ الطويل ] 1134 - وإلّا فسيري مثل ما سار راكب * تيمّم خمسا ليس في سيره أمم « 2 » نصّ النحويون على ذلك . قال أبو حيّان : « فلا يحتاج إلى تأويلها بالليالي ولا بالمدد ؛ كما قدّره الزّمخشريّ والمبرّد على هذا » ، قال : « وإذا تقرر هذا ، فجاء قوله : « وعشرا » على أحد الجائزين ، وإنما حسن حذف التاء هنا ؛ لأنه مقطع كلام ، فهو شبيه بالفواصل ؛ كما حسّن قوله : إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً [ طه : 103 ] كونه فاصلة ، فقوله : « ولو ذكّرت لخرجت من كلامهم » ليس كما ذكر ، بل هو الأفصح ، وفائدة ذكره « إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً » بعد قوله « إلّا عشرا » أنه على زعمه أراد الليالي ، والأيام داخلة معها ، فقوله « إلّا يوما » دليل على إرادة الأيّام » . قال أبو حيان : « وهذا عندنا يدلّ على أنّ المراد بالعشر الأيّام ؛ لأنهم اختلفوا في مدّة اللّبث ، فقال بعضهم : « عشرا » وقال بعضهم : « يوما » فدلّ على أنّ المقابل باليوم إنما هو أيام ؛ إذ لا يحسن في المقابلة أن يقول بعضهم : عشر ليال ، فيقول البعض : يوم » . الرابع : أنّ هذه الأيّام [ أيّام حزن ومكروه ، ومثل هذه الأيّام ] « 3 » تسمّى بالليالي على
--> ( 1 ) البيت للنابغة الجعدي ينظر ديوانه 64 ، الكتاب 2 / 174 ، البحر 2 / 33 ، المقرب 1 / 311 ، الدر المصون 1 / 577 . ( 2 ) ينظر : البحر 2 / 234 ، الدر المصون 1 / 578 . ( 3 ) سقط في ب .