عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
186
اللباب في علوم الكتاب
وفي هذا الكلام التفات وتلوين ، أمّا الالتفات : فإنه خروج من ضمير الغيبة في قوله : « فإن أرادوا » إلى الخطاب في قوله : « وَإِنْ أَرَدْتُمْ » ؛ إذ المخاطب الآباء والأمهات ، وأمّا التلوين في الضمائر ، فإنّ الأول ضمير تثنية ، وهذا ضمير جمع ، والمراد بهما الآباء والأمهات أيضا ؛ وكأنه رجع بهذا الضمير المجموع إلى الوالدات والمولود له ، ولكنه غلّب المذكّر ، وهو المولود له ، وإن كان مفردا لفظا ، و « فَلا جُناحَ » جواب الشرط . قوله : « إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ » « إذا » شرط حذف جوابه ؛ لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه ، قال أبو البقاء « 1 » : وذلك المعنى هو العامل في « إذا » وهو متعلّق بما تعلّق به « عليكم » ، وهذا خطأ في الظاهر ؛ لأنه جعل العامل فيها أولا ذلك المعنى المدلول عليه بالشّرط الأوّل وجوابه ، فقوله ثانيا « وهو متعلّق بما تعلّق به عليكم » تناقض ، اللهم إلا أن يقال : قد يكون سقطت من الكاتب ألف ، وكان الأصل « أو هو متعلّق » فيصحّ ، إلّا أنه إذا كان كذلك ، تمحّضت « إذا » للظرفية ، ولم تكن للشرط ، وكلام هذا القائل يشعر بأنها شرطية في الوجهين على تقدير الاعتذار عنه . وليس التّسليم شرطا للجواز والصحّة ، وإنّما هو ندب إلى الأولى ، والمقصود منه أن يسلّم الأجرة إلى المرضعة يدا بيد ، حتى تطيب نفسها ، ويصير ذلك سببا لصلاح حال الطّفل ، والاحتياط في مصالحه . وقرأ الجمهور : « آتيتم » بالمدّ هنا وفي الرّوم : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً [ الروم : 39 ] وقصرهما ابن كثير « 2 » . وروى شيبان « 3 » عن عاصم « أوتيتم » مبنيّا للمفعول ، أي : ما أقدركم اللّه عليه ، فأمّا قراءة الجمهور ، فواضحة ؛ لأنّ « آتى » بمعنى « أعطى » ، فهي تتعدّى لاثنين ، أحدهما ضمير يعود على « ما » الموصولة ، والآخر ضمير يعود على المراضع ، والتقدير : ما آتيتموهنّ إيّاه ، ف « هنّ » هو المفعول الأوّل ؛ لأنه الفاعل في المعنى ، والعائد هو الثاني ؛ لأنه هو المفعول في المعنى ، والكلام على حذف هذا الضمير ، وهو منفصل قد تقدّم ما عليه من الإشكال ، والجواب عند قوله : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 3 ] . وأمّا قراءة القصر ، فمعناها جئتم وفعلتم يقال : أتيت جميلا ، إذا فعلته ؛ قال زهير : [ الطويل ] 1129 - وما كان من خير أتوه فإنّما * توارثه آباء آبائهم قبل « 4 »
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 98 . ( 2 ) ينظر : السبعة 183 ، والحجة 2 / 335 ، والعنوان 74 ، وحجة القراءات 137 ، وشرح الطيبة 4 / 103 ، وشرح شعلة 291 ، وإتحاف 1 / 440 . ( 3 ) انظر : البحر المحيط 2 / 229 ، والدر المصون 1 / 575 . ( 4 ) ينظر ديوانه 115 ، القرطبي 3 / 173 ، الدر المصون 1 / 575 .