عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
181
اللباب في علوم الكتاب
وأمّا الوصل : وهو العطف بين قوله : « وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ » ، وبين قوله : « وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ » ؛ فلأنّهما جملتان متغايرتان في كلّ منهما حكم ليس في الأخرى . ومنه أيضا إبراز الجملة الأولى مبتدأ وخبرا ، وجعل الخبر فعلا ؛ لأنّ الإرضاع مما يتجدّد دائما . وأضيفت الوالدات للأولاد ؛ تنبيها على شفقتهنّ ، وحثا لهنّ على الإرضاع . وجيء بالوالدات بلفظ العموم ، وإن كان جمع قلّة ؛ لأنّ جمع القلّة متى حلّي بأل ، عمّ ، وكذلك « أولادهنّ » عام ؛ لإضافته إلى ضمير العامّ ، وإن كان - أيضا - جمع قلّة . وفيها أيضا إبراز الجملة الثانية مبتدأ وخبرا ، والخبر جارّ ومجرور بحرف « على » الدالّ على الاستعلاء المجازيّ في الوجوب ، وقدّم الخبر ؛ اعتناء به . وقدّم الرزق على الكسوة ؛ لأنه الأهمّ في بقاء الحياة ، ولتكرره كل يوم . وأبرزت الثالثة فعلا ، ومرفوعه ، وجعل مرفوعه نكرة في سياق النفي ؛ ليعمّ ، ويتناول ما سبق لأجله من حكم الوالدات في الإرضاع ، والمولود له في الرزق ، والكسوة الواجبتين عليه للوالدة . وأبرزت الرابعة كذلك ؛ لأنّها كالإيضاح لما قبلها ، والتفصيل بعد الإجمال ؛ ولذلك لم يعطف عليها كما ذكرته لك . ولمّا كان تكليف النفس فوق الطاقة ، ومضارّة أحد الزوجين للآخر ممّا يتكرّر ويتجدّد ، أتى بهاتين الجملتين فعليتين ، وأدخل عليهما حرف النّفي وهو « لا » ؛ لأنه موضوع للاستقبال غالبا . وأمّا في قراءة من جزم ، فإنّها ناهية ، للاستقبال فقط ، وأضاف الولد إلى الوالدة والمولود له ؛ تنبيها على الشفقة والاستعطاف ، وقدّم ذكر عدم مضارّة الوالدة على ذكر عدم مضارة الوالد ؛ مراعاة لما تقدّم من الجملتين ، إذ قد بدأ بحكم الوالدات وثنّى بحكم الوالد . قوله : « وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ » هذه جملة من مبتدأ وخبر ، قدّم الخبر ؛ اهتماما ، ولا يخفى ما فيها ، وهي معطوفة على قوله : « وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ » وما بينهما اعتراض ؛ لأنه كالتّفسير لقوله : « بالمعروف » كما تقدّم التنبيه عليه . والألف واللّام في « الوارث » بدل من الضّمير عند من يرى ذلك ، ثم اختلفوا في ذلك الضّمير هل يعود على المولود له ، وهو الأب ، فكأنه قيل : وعلى وارثه ، أي : وارث المولود له ، أو يعود على الولد نفسه ، أي : وارث الولد ؟ وهذا على حسب اختلافهم في الوارث . وقرأ يحيى بن يعمر « 1 » : « الورثة » بلفظ الجمع ، والمشار إليه بقوله : « مثل ذلك » إلى
--> ( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 312 ، والبحر المحيط 2 / 226 ، والدر المصون 1 / 573 .