عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
18
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أن يكون خبرا عن المجموع ، والاحتمال الآخر أن يكون خبرا عنها باعتبار كلّ واحد ، كما تقول : « زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد » ، أي : كلّ واحد منهم على انفراده أفضل من خالد . وهذا هو الظّاهر . وإنّما أفرد الخبر ؛ لأنه أفضل من تقديره : أكبر من القتال في الشّهر الحرام . وإنّما حذف لدلالة المعنى . الثاني من الوجهين في « أكبر » : أن يكون خبرا عن الأخير ، ويكون خبر « وصدّ » و « كفر » محذوفا لدلالة خبر الثّالث عليه تقديره : وصدّ وكفر أكبر . قال أبو البقاء « 1 » في هذا الوجه : ويجب أن يكون المحذوف على هذا أكبر لا « كبير » كما قدّره بعضهم ؛ لأنّ ذلك يوجب أن يكون إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر ، وليس كذلك . وفيما قاله أبو البقاء نظر ؛ لأنّ هذا القائل يقول : حذف خبر « وصدّ » و « كفر » لدلالة خبر « قتال » عليه ، أي : القتال في الشّهر الحرام كبير ، والصّدّ والكفر كبيران أيضا ، وإخراج أهل المسجد أكبر من القتال في الشّهر الحرام . ولا يلزم من ذلك أن يكون أكبر من مجموع ما تقدّم حتّى يلزم ما قاله من المحذور . و « عند اللّه » متعلّق ب « أكبر » ، والعندية هنا مجاز لما عرف . فصل في المراد بهذا الإخراج والمراد بهذا الإخراج أنّهم أخرجوا المسلمين من المسجد ، بل من م ) ة وإنما جعلهم أهلا له ؛ لأنّهم القائمون بحقوق البيت كقوله تعالى : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها [ الفتح : 26 ] وقال تعالى : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [ الأنفال : 34 ] فأخبر تعالى : أنّ المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء ، وحكم عليها بأنها أكبر ، أي : كلّ واحد منها أكبر من قتال في الشّهر الحرام ، وهذا تفريع على قول الزّجّاج ؛ لأن كلّ واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام ، فالكفر أعظم من القتل ، أو نقول : كلّ واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشّهر الحرام ، وهو القتال الّذي صدر عن عبد اللّه بن جحش ؛ لأنّه ما كان قاطعا بوقوع ذلك القتال في الشّهر الحرام ، وهؤلاء الكفّار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشّهر الحرام ؛ فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر حجما . قوله : « وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ » ذكروا في الفتنة قولين : أحدهما - وعليه أكثر المفسّرين « 2 » - : أنّها الكفر ، أي : الشّرك الّذي أنتم عليه أكبر من قتل ابن الحضرميّ في الشّهر الحرام .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 92 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 30 .