عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
167
اللباب في علوم الكتاب
المؤمنين بالأحكام المشار إليها ، دليل على أنّ التكليف مختصّ بمن يؤمن باللّه واليوم الآخر . وأجيبوا بأنّ التكليف قد ورد عامّا ؛ قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران : 97 ] وبيان الأحكام وإن كان عامّا في حق كل المكلّفين ، إلّا أنّه قد يكون ذلك البيان وعظا للمؤمنين ؛ لأن هذه التكاليف إنّما تتوجه على الكفّار على سبيل إثباتها بالدليل القاهر الملزم المعجز ، وأمّا المؤمن المقرّ فإنّما تذكر له وتشرح على سبيل العظة ، والتحذير . قوله تعالى : أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ [ البقرة : 232 ] زكا الزرع إذا نما وألف أزكى منتقلة عن واو ، وقوله : « أزكى » إشارة إلى استحقاق الثّواب ، وقوله : « أطهر » إشارة إلى إزالة الذنوب . قال المفسّرون : أزكى لكم وأطهر لقلوبكم من الرّيبة . و « لكم » متعلق بمحذوف ؛ لأنه صفة ل « أزكى » فهو في محلّ رفع وقوله : « وأطهر » أي : لكم ، والمفضّل عليه محذوف ؛ للعلم به ، أي : من العضل . قوله : « وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » معناه : أنّ المكلّف وإن كان يعلم وجه الصّلاح في هذه التكاليف على الجملة ، إلّا أنّ التفصيل غير معلوم ، واللّه تعالى عالم في كل ما أمر ونهى ، بالكمية والكيفية بحسب الواقع وبحسب التقدير ؛ لأنّه تعالى عالم بما لا نهاية له من المعلومات . قال بعض المفسّرين « 1 » : معناه أنّ لكل واحد من الزوجين ، قد يكون في نفسه من
--> جمهورهم : هو مخاطب بالفروع ، كما هو مخاطب بأصل الإيمان ، وقيل : لا يخاطب بالفروع ، وقيل : يخاطب بالمنهي عنه ؛ كتحريم الزنا والسرقة والخمر وأشباهها دون المأمور به كالصلاة والحج ، والصحيح الأول ، وليس هو مخالفا لقولهم في الفروع ، لأن المراد هنا غير المراد هناك ، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم وإذا أسلم أحدهم ، لم يلزمه قضاء الماضي ، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة ، ومرادهم في كتب الأصول أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر ، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعا لا على الكفر وحده ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا ، فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين ، وفي الفروع حكم الطرف الآخر . البحر المحيط للزركشي 3 / 63 ، التمهيد للإسنوي ص 364 ، ونهاية السول له 1 / 369 ، زوائد الأصول ص / 170 ، منهاج العقول للبدخشي 1 / 203 ، التحصيل من المحصول للأرموي 1 / 321 ، المنخول للغزالي ص / 31 ، الإبهاج لابن السبكي 1 / 177 ، الآيات البينات لابن قاسم العبادي 1 / 285 ، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 98 ، كشف الأسرار للنسفي 1 / 137 ، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني 1 / 213 ، نسمات الأسحار لابن عابدين ص / 60 ، ميزان الأصول للسمرقندي 1 / 304 . ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 211 .