عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

159

اللباب في علوم الكتاب

والأقرب هو الأوّل ؛ لأنه تهديد بعد ذكر تكاليف ، فيكون تهديدا عليها ، لا على غيرها . ولمّا رغّبهم في أداء التكاليف بالتهديد ، رغبهم - أيضا - بذكر نعمه عليهم في الدنيا والدين ، فقال : « وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ » أي : بالإسلام ، وبيان الأحكام . ويجوز في « عليكم » وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بنفس « النعمة » ، إن أريد بها الإنعام ؛ لأنها اسم مصدر ؛ كنبات من أنبت ، ولا تمنع تاء التأنيث من عمل هذا المصدر ؛ لأنه مبنيّ عليها كقوله : [ الطويل ] 1116 - فلو لا رجاء النّصر منك ورهبة * عقابك قد كانوا لنا كالموارد « 1 » فأعمل « رهبة » في « عقابك » ، وإنما المحذور أن يعمل المصدر الذي لا يبنى عليها ، نحو : ضرب وضربة ، ولذلك اعتذر الناس عن قوله : [ الطويل ] 1117 - يحايي به الجلد الّذي هو حازم * بضربة كفّيه الملا وهو راكب « 2 » بأنّ الملا ، وهو السراب ، منصوب بفعل مقدّر لا بضربة . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف ، على أنه حال من « نعمة » إن أريد بها المنعم به ، فعلى الأول تكون الجلالة في محلّ رفع ، لأنّ المصدر رافع لها تقديرا ؛ إذ هي فاعلة به ، وعلى الثاني في محلّ جرّ لفظا وتقديرا . قوله « وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ » يجوز في « ما » وجهان : أحدهما : أن تكون في محلّ نصب ؛ عطفا على « نعمة » ، أي : اذكروا نعمته والمنزّل عليكم ، فعلى هذا يكون قوله : « يعظكم » حالا ، وفي صاحبها ثلاثة أوجه : أحدها : أنه الفاعل في « أنزل » وهو اسم اللّه تعالى ، أي : أنزله واعظا به لكم . والثاني : أنه « ما » الموصولة ، والعامل في الحال : اذكروا . والثالث : أنه العائد على « ما » المحذوف ، أي : وما أنزله موعوظا به ، فالعامل في الحال على هذا القول وعلى القول الأول « أنزل » . والثاني من وجهي « ما » : أن تكون في محلّ رفع بالابتداء ، ويكون « يعظكم » على هذا في محلّ رفع ؛ خبرا لهذا المبتدأ ، أي : والمنزّل عليكم موعوظ به . وأول الوجهين أقوى وأحسن .

--> ( 1 ) البيت من شواهد الكتاب 1 / 189 ، المفصل لابن يعيش 6 / 61 ، حاشية يس 2 / 63 ، الدر المصون 1 / 465 . ( 2 ) البيت ينظر : الهمع 2 / 92 ، العيني 3 / 527 ، حاشية يس 1 / 316 ، الدرر 2 / 122 ، الدر المصون 1 / 565 .