عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

155

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في قوله : « فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ » ] قوله : « فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ » إشارة إلى المراجعة ، واختلف العلماء في كيفيتها ؛ فقال الشّافعيّ : لما لم يكن النكاح والطلاق إلّا بكلام ، لم تكن الرجعة - أيضا - إلّا بكلام . وقال أبو حنيفة ، والثوري ، وأحمد : تصحّ بالوطء . حجة الشافعي : أنّ ابن عمر طلّق زوجته ، وهي حائض ؛ فسأل عمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، فقال : « مره فليراجعها » « 1 » فأمره - عليه الصّلاة والسّلام - بالمراجعة في تلك الحال . والوطء في زمن الحيض لا يجوز . وقد يجاب عن هذا ؛ بأنّنا لم نخصّ الرجعة في الوطء ، بل قد يكون في صورة بالوطء ، وفي صورة بالقول . وحجّة أبي حنيفة ، قوله تعالى : « فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ » أمر بمجرد الإمساك ، والوطء إمساك ، فوجب أن يكون كافيا . فإن قيل : إنه تعالى أثبت حقّ المراجعة عند بلوغ الأجل ، وبلوغ الأجل وهو عبارة عن انقضاء العدّة ، لا يثبت حقّ المراجعة . فالجواب من وجهين : الأول : أنّ المراد مشارفة البلوغ لا نفس البلوغ ؛ كقول الرجل إذا قارب البلد : « قد بلغنا » ، وقول الرجل لصاحبه : « إذا بلغت مكّة ، فاغتسل بذي طوى » يريد مشارفة البلوغ ، لا نفس البلوغ ، وهو من باب مجاز إطلاق اسم الكلّ على الأكثر . الثاني : الأجل اسم للزمان ، فنحمله على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة فيه ، بحيث إذا مات ، لا يبقى بعده إمكان الرجعة على هذا ، فلا حاجة إلى المجاز . فإن قيل : لا فرق بين قوله : « أمسكوهنّ بمعروف » ، وبين قوله : « وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً » ؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه « 2 » ، فما فائدة التكرار ؟

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 7 / 73 ) كتاب الطلاق باب إذا طلقت الحائض رقم ( 5252 ) ومسلم ( 4 / 180 ) ومالك ( 2 / 576 ) رقم ( 53 ) والشافعي في « مسنده » ( 1630 ) وأبو داود ( 2179 ، 2180 ) والنسائي ( 2 / 94 ) والدارمي ( 2 / 160 ) وابن أبي شيبة ( 7 / 75 ) وابن ماجة ( 2019 ) والطحاوي في « شرح معاني الآثار » ( 2 / 31 ) وابن الجارود ( 734 ) والبيهقي ( 7 / 323 ) وأحمد ( 2 / 6 ، 54 ، 63 ، 102 ) من طرق عن نافع عن ابن عمر . ( 2 ) وقبل ذكر مذاهب العلماء في هذه المسألة يجدر بنا أن نبين أن عبارات القوم قد اختلفت في التعبير عنها : فمنهم من عبر عنها بقوله : « الأمر بالشيء نهي عن ضده ، أو يستلزم النهي عن ضده » . ومنهم من عبر بقوله : « وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه » . ولكن نستطيع الموازنة بين هاتين العبارتين بذكر الفرق بين الضد والنقيض لورودهما فيهما .