عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
136
اللباب في علوم الكتاب
مفعول به ناصبه « تأخذوا » . ويجوز أن يكون مصدرا ، أي : شيئا من الأخذ . والوجهان منقولان في قوله : لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [ يس : 54 ] . قوله : « إِلَّا أَنْ يَخافا » هذا استثناء مفرّغ ، وفي « أَنْ يَخافا » وجهان : أحدهما : أنه في محلّ نصب على أنه مفعول من أجله ، فيكون مستثنى من ذلك العامّ المحذوف ، والتقدير : ولا يحلّ لكم أن تأخذوا بسبب من الأسباب ، إلا بسبب خوف عدم إقامة حدود اللّه ، وحذف حرف العلة ؛ لاستكمال شروط النصب ، لا سيما مع « أن » ولا يجيء هنا خلاف الخليل وسيبويه « 1 » : أهي في موضع نصب ، أو جرّ بعد حذف اللام ، بل هي في محلّ نصب فقط ، لأنّ هذا المصدر لو صرّح به ، لنصب ، وهذا قد نصّ عليه النحويّون ، أعني كون « أن » وما بعدها في محلّ نصب ، بلا خلاف ، إذا وقعت موقع المفعول له . والثاني : أنه في محلّ نصب على الحال ، فيكون مستثنى من العامّ أيضا ، تقديره : ولا يحلّ لكم في كلّ حال من الأحوال إلّا في حال خوف ألّا يقيما حدود اللّه ، قال أبو البقاء « 2 » : والتقدير : إلّا خائفين ، وفيه حذف مضاف ، تقديره : ولا يحلّ لكم أن تأخذوا على كلّ حال ، أو في كلّ حال إلا في حال الخوف ، والوجه الأول أحسن ، وذلك أنّ « أن » وما في حيّزها مؤوّلة بمصدر ، وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل المنصوب على الحال ، والمصدر لا يطّرد وقوعه حالا ، فكيف بما هو في تأويله ! ! وأيضا فقد نصّ سيبويه « 3 » على أنّ « أن » المصدرية لا تقع موقع الحال . والألف في قوله « يخافا » و « يقيما » عائدة على صنفي الزوجين ، وهذا الكلام فيه التفات ، إذ لو جرى على نسق الكلام ، لقيل : « إلّا أن تخافوا ألّا تقيموا » بتاء الخطاب للجماعة ، وقد قرأها « 4 » كذلك عبد اللّه ، وروي عنه أيضا بياء الغيبة ، وهو التفات أيضا . والقراءة في « يخافا » بفتح الياء واضحة ، وقرأها « 5 » حمزة وأبو جعفر ويعقوب بضمّها على البناء للمفعول ، وقد استشكلها جماعة ، وطعن فيها آخرون لعدم معرفتهم بلسان العرب ، وقد ذكروا فيها توجيهات كثيرة ، أحسنها أن يكون « أن يقيما » بدلا من الضمير في « يخافا » ؛ لأنه يحلّ محلّه ، تقديره : إلّا أن يخاف عدم إقامتهما حدود اللّه ،
--> ( 1 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 17 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 96 . ( 3 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 195 . ( 4 ) انظر : البحر المحيط 2 / 207 ، والدر المصون 1 / 559 . ( 5 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 307 ، والبحر المحيط 2 / 207 إلا أن أبا حيان قال : وقرأ حمزة ويعقوب ويزيد بن القعقاع : إلا أن يخافوا بضم الياء مبنيا للمفعول ؛ فذكر الفعل مسندا لواو الجماعة ، والقراءة المذكورة الفعل مسند فيها إلى ألف الاثنين .