عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

133

اللباب في علوم الكتاب

الواجب بعد ذلك : إمّا إمساك بمعروف ، وهو أن يراجعها لا على قصد المضارّة ، بل على قصد الإصلاح ، وإما تسريح بإحسان ، وفيه وجهان : أحدهما : أن يوقع عليها الطّلقة الثّالثة ، روي أنّه لمّا نزل قوله تعالى : « الطَّلاقُ مَرَّتانِ » ، قيل له - عليه الصلاة والسلام - : فأين الثّالثة ؟ قال عليه الصّلاة والسّلام - : « هو قوله تسريح بإحسان » « 1 » .

--> والمراجعة المعادة ، يقال : راجعه الكلام وراجع امرأته . فهي لغة : المرة من الرجوع . وفي الشرع : رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة على وجه مخصوص . وحكمة التشريع التي يمكن أن تتعرفها العقول ، وتصل إليها المدارك في شرع اللّه للرجعة بعد وقوع الطلاق : هي أن الزّوج الذي أقدم على ذلك الحلال المبغوض ، ربّما يكون قد استوثقت بينه وبين مطلّقته آصرة من المودة والإيلاف ، فقد أفضى بعضهم إلى بعض ، وكانت لباسا له ؛ كما كان لباسا لها ، وربّما احتمل العلوق ، أو يكون قد خرج من بينهم ذرية ضعاف يخاف عليهم الضياع والشتات . ولا يغيب عن البال أن الأبناء والذرية الذين يتربّون في غير أحضان الآباء والأمهات معا ، تكلأ لهم أعينهم ، ويحوطهم الحفظ من السّقوط في حمأة التّشرد ، لا شك يكونون شرّا مستطيرا ، ونواة سيّئة في المجتمع الذي يعيشون فيه ، وإننا لا ننكر أن الأم من الضّعف ، وعدم القدرة على صيانة الولد خارج المنزل ، ما اللّه عالم به ، وربما دفعها فرط الشّفقة عليه ، وشدة الحنان والحدب عليه إلى التغاضي عن سيئه ، وقد لا تدري ما العاقبة الوخيمة وما نتيجة هذا التّفريط . وكثيرا ما يكنّ جاهلات لا يعرفن من أمور الحياة وشؤون تربية الأبناء إلّا كونهم آلة تقوم بتنظيف المسكن وإنضاج الطعام وغسل الملابس ؛ ولا تعرف لابنها إلا أن تلقمه ثديها رضيعا ، وتقدم إليه كسر الخبر والطّعام بعد فطامه وفي يفاعه . وأيضا قد يتزوّج كل من الأبوين بعد انفصام عقدة النكاح ، وهنا الطّامة تطمّ على الأبناء ، فالأمّ منصرفة عن ابنها إلى الزّوج الجديد ، والأب لاه بزوجته ، وربما كانت الزّوجة عامل إفساد تربية هؤلاء الصّغار ؛ من أجل ذلك كلّه شاء ربّك الحكيم ألا يهمل أمر هؤلاء الصغار ، وألّا تتوتر آصرة المحبة والإيلاف بين الزوجين ، وشاء ألّا يندم الزّوج على ما فرّط فيه ، فشرع الرجعة وملكها الزوج ؛ حتى لا يطول ندمه ، ولا تطول محنة الأبناء ، وأيضا قد تكون الزوجة لا عائل لها ، وليس ثمت من يرغب في نكاحها ، فكان بالرجعة مجال لدرء ما عساه أن يقع ؛ ولدفع الفاقة عن البائسات . واصطلاحا : عرفها الحنفية بأنها : استدامة الملك القائم في العدة برد الزوجة إلى زوجها ، وإعادتها إلى حالتها الأولى . عرفها الشافعية بأنها : رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة ، على وجه مخصوص . عرفها المالكية بأنها : عود الزوجة المطلقة للعصمة من غير تجديد عقد . عرفها الحنابلة بأنها : إعادة المطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد . ينظر : القاموس المحيط 3 / 28 . وانظر الاختيار 100 ، اللباب 56 ، الإقناع 2 / 175 ، حاشية الدسوقي 2 / 415 ، كشاف القناع 5 / 341 . ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 545 والبيهقي ( 7 / 340 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 495 ) وزاد نسبته لوكيع وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبي داود في « ناسخه » وابن -