عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
131
اللباب في علوم الكتاب
الاستغراق ، فصار تقدير الآية : كلّ الطّلاق مرّتان ومرّة ثالثة ، ولو قال هكذا ، لأفاد أن الطّلاق المشروع متفرّق ؛ لأن المرّات « 1 » لا تكون إلّا بعد تفريق الاجتماع . فإن قيل : هذه الآية وردت لبيان الطّلاق المسنون . فالجواب : ليس في الآية بيان صفة السّنّة ، بل مفسّرة لأصل الطّلاق ، وهذا الكلام - وإن كان لفظه الخبر - إلّا أن معناه الأمر ، أي : طلّقوا مرّتين ، يعني : دفعتين ، وإنما عدل عن لفظ الخبر ؛ لما تقدّم من أن التّعبير عن الأمر بلفظ الخبر يفيد تأكيد معنى الأمر ، فثبت أن هذه الآية دالّة على الأمر بتفريق الطّلقات ، وعلى التّشديد في ذلك الأمر والمبالغة فيه . واختلف القائلون بهذا على قولين : الأول - وهو اختيار كثير من علماء أهل البيت - : أنّه لو طلّقها اثنتين أو ثلاثا ، لا يقع إلّا واحدة . قال ابن الخطيب « 2 » : وهذا القول هو الأقيس ، لأن النّهي يدلّ على اشتمال المنهيّ عنه على مفسدة راجحة ، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود ، وهو غير جائز ، فوجب أن يكون الحكم بعدم الوقوع . والثاني : قول أبي حنيفة - رضي اللّه عنه - : إن الجمع - وإن كان محرّما - إلا أنّه يقع ، وهذا منه بناء على أنّ النّهي لا يدلّ على الفساد « 3 » . حجّة القول الثّاني : هو أنّ الآية متعلّقة بما قبلها ؛ لأنه - تعالى - بيّن في الآية الأولى أن حقّ المراجعة ثابت للزّوج ، ولم يبيّن أنّ ذلك الحقّ ثابت دائما ، أو إلى غاية
--> ( 1 ) في ب : الثلاثة . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 83 . ( 3 ) اختلفوا في أنّ النهي عن التصرّفات والعقود المفيدة لأحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما ، هل يقتضي فسادها أو لا ؟ فذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع أهل الظاهر وجماعة من المتكلّمين إلى إفسادها ، لكن اختلفوا في جهة الفساد : فمنهم من قال إنّ ذلك من جهة اللغة ؛ ومنهم من قال إنّه من جهة الشرع دون اللغة ؛ ومنهم من لم يقل بالفساد ، وهو اختيار المحقّقين من أصحابنا كالقفّال وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية ؛ وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي عبد اللّه البصري وأبي الحسين الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وكثير من مشايخهم ، ولا نعرف خلافا في أنّ ما نهي عنه لغيره أنّه لا يفسد كالنهي عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة ، إلّا ما نقل عن مذهب مالك وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه . ينظر المستصفى 2 / 24 المنخول 126 التبصرة 100 الإحكام للآمدي 2 / 174 - 175 شرح الكوكب 3 / 83 جمع الجوامع 2 / 393 شرح العضد 2 / 85 ، كشف الأسرار 1 / 258 تيسير التحرير 1 / 376 القواعد والفوائد لابن اللحام ( 110 ) العدة لأبي يعلى 2 / 432 - 447 اللمع ص 14 روضة الناظر 113 المسودة ( 82 ) شرح تنقيح الفصول 173 .