عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
13
اللباب في علوم الكتاب
الثالث : أن يكون معطوفا على « الشّهر الحرام » ثم بعد هذا طريقان :
--> - ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف على الضمير المخفوض ، وذلك نحو قولك : « مررت بك وزيد » . وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز . أما الكوفيون فاحتجّوا بأن قالوا : الدليل على أنه يجوز أنه قد جاء ذلك في التنزيل وكلام العرب ، قال اللّه تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ بالخفض ، وهي قراءة أحد القراء السبعة - وهو حمزة الزيات - وقراءة إبراهيم النخعي ، وقتادة ، ويحيى بن وثاب ، وطلحة بن مصرف والأعمش ، ورواية الأصفهانيّ ، والحلبيّ عن عبد الوارث ، وقال تعالى : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ ف « ما » : في موضع خفض لأنه عطف على الضمير المخفوض في ( فيهنّ ) وقال تعالى : لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ف « المقيمين » في موضع خفض بالعطف على الكاف في ( إليك ) والتقدير فيه : يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة ، يعني : من الأنبياء عليهم السلام ، ويجوز أيضا أن يكون عطفا على الكاف في ( قبلك ) والتقدير فيه : ومن قبل المقيمين الصلاة يعني : من أمتك ، وقال تعالى : وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ فعطف ( المسجد الحرام ) على الهاء من ( به ) وقال تعالى : وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ف « من » في موضع خفض بالعطف على الضمير المخفوض في ( لكم ) فدلّ على جوازه ، وقال الشاعر : فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والأيّام من عجب ف « الأيام » : خفض بالعطف على الكاف في « بك » والتقدير : بك وبالأيام وقال الآخر : أكرّ على الكتيبة لا أبالي * أفيها كان حتفي أم سواها فعطف « سواها » بأم على الضمير في « فيها » والتقدير : أم في سواها وقال الآخر : تعلّق في مثل السّواري سيوفنا * وما بينها والكعب غوط نفانف فالكعب : مخفوض بالعطف على الضمير المخفوض في « بينها » والتقدير : وما بينها وبين الكعب غوط نفانف ، يعني : أن قومه طوال ، وأن السيف على الرجل منهم كأنه على سارية من طوله ، وبين السيف وكعب الرجل منهم غائط - وهو المكان المطمئن من الأرض - ونفانف : واسعة ، أي : بين السيف والكعب مسافة ، فعطف « الكعب » على الضمير المخفوض في « بينها » . وقال الآخر : هلّا سألت بذي الجماجم عنهم * وأبي نعيم ذي اللّواء المحرق ف « أبي نعيم » : خفض بالعطف على الضمير المخفوض في « عنهم » ، فهذه كلها شواهد ظاهرة تدل على جوازه . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز ؛ وذلك لأن الجار مع المجرور بمنزلة شيء واحد ، فإذا عطفت على الضمير المجرور - والضمير إذا كان مجرورا اتصل بالجار ، ولم ينفصل منه ، ولهذا لا يكون إلا متصلا ، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب - فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف الجار ، وعطف الاسم على الحرف لا يجوز . ومنهم من تمسك بأن قال : إنما قلنا ذلك ؛ لأن الضمير قد صار عوضا عن التنوين ، فينبغي ألّا يجوز العطف عليه ، كما لا يجوز العطف على التنوين ؛ والدليل على استوائهما أنهم يقولون : « يا غلام » فيحذفون الياء كما يحذفون التنوين ، وإنما اشتبها ؛ لأنهما على حرف واحد ، وأنهما يكملان الاسم ، وأنهما لا يفصل بينهما وبينه بالظرف ، وليس كذلك الاسم المظهر ومنهم من تمسك بأن قال : أجمعنا -