عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

118

اللباب في علوم الكتاب

الأول : كما أن حمل الأقراء على الأطهار يوجب الزّيادة ؛ لأنه إذا طلّقها في أثناء الطّهر ، لم يحسب ما بقي من ذلك الطّهر في العدّة فتحصل الزّيادة . واعتذروا عنه : بأن الزّيادة لا بدّ من تحمّلها لأجل الضّرورة ، لأنه لو جاز الطّلاق في الحيض ، لأمرناه بالطّلاق في آخر الحيض حتى يعتدّ بأطهار كاملة ، وإذا اختص الطّلاق بالطّهر ، صارت تلك الزّيادة محتملة للضّرورة . ونحن نقول : لمّا صارت الأقراء مفسّرة بالأطهار ، واللّه تعالى أمرنا بالطّلاق في الطّهر صار تقدير الآية : يتربّصن بأنفسهن ثلاثة أطهار ؛ طهر الطّلاق وطهران آخران ، ثم لزم من كون الطّهر الأوّل طهر الطّلاق ، أن يكون ذلك الطّهر ناقصا ، ليعتدّ بوقوع الطّلاق فيه . الوجه الثاني في الجواب : أنّا بيّنّا أن القرء اسم للاجتماع وكمال الاجتماع إنّما يحصل في آخر الطّهر ، فكان في الحقيقة الجزء الأخير من الطّهر قرءا تاما ، وعلى هذا التّقدير ؛ لم يلزم دخول النّقصان في شيء من الأقراء . ورابعها : أنه - تعالى - نقل إلى الشّهور عند عدم الحيض ؛ قال : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [ الطلاق : 4 ] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار . وأيضا : لما شرعت الأشهر بدلا عن الأقراء ، والبدل يعتبر بتمامها ؛ لأن الأشهر لا بدّ من إتمامها ، فوجب أيضا أن يكون الكمال معتبرا في المبدل ، فوجب أن تكون الأقراء كاملة وهي الحيض ، وأما الأطهار فيجب فيها قرءان وبعض قرء . وخامسها : قوله - عليه الصّلاة والسلام - : « طلاق الأمة تطليقتان وعدّتها حيضتان » « 1 » وأجمعوا على أنّ عدّة الأمة نصف عدّة الحرّة ، فوجب أن تكون عدّة الحرّة هي الحيض . وسادسها : أجمعنا على وجوب الاستبراء في الجواري بالحيض ، فكذا العدّة ؛ لأن المقصود من الاستبراء والعدّة شيء واحد ؛ لأن أصل العدّة إنّما شرع لاستبراء الرّحم ، وإنما تستبرأ الرّحم بالحيض لا بالطّهر ؛ فوجب أن يكون هو المعتبر . وسابعها : إن القول بأن القرء هو الحيض احتياط ، وتغليب لجانب الحرمة ؛ لأن المطلّقة إذا مرّ عليها بقية الطّهر ، وطعنت في الحيضة الثّالثة ، فإن جعلنا القرء هو

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 2189 ) والترمذي ( 1 / 222 ) وابن ماجة ( 2080 ) والحاكم ( 2 / 205 ) . وقال الترمذي : لا نعرفه إلا من حديث مظاهر ولا نعرف له غير هذا الحديث وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . وأخرجه الدارقطني ( 4 / 39 ) والبيهقي ( 7 / 369 - 370 ، 426 ) عن عائشة بلفظ : طلاق العبد اثنتان . . . وأخرجه الدارقطني ( 4 / 39 ) عن عائشة بلفظ : طلاق الأمة اثنتان وقرؤها حيضتان .