عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
116
اللباب في علوم الكتاب
ورابعها : أن الأصل ألّا يكون لأحد على أحد من المكلّفين حقّ الحبس والمنع من التّصرّفات ، وإنما تركنا العمل بهذا عند قيام الدّليل عليه ، وهو أقلّ ما يسمّى بالأقراء الثّلاثة وهي الأطهار ؛ لأن الاعتداد بالأطهار أقلّ زمانا من الاعتداد بالحيض ، وإذا كان كذلك ، أثبتنا الأقلّ ضرورة العمل بهذه الآية ، واطرحنا الأكثر ؛ للدّلائل الدّالّة على أنّ الأصل ألّا يكون لأحد على غيره حقّ الحبس والمنع . حجة أبي حنيفة وجوه : أحدها : أنّ الأقراء في اللّغة ، وإن كانت مشتركة بين الأطهار والحيض ؛ إلا أن الشّرع غلّب استعمالها في الحيض ؛ لما روي أن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « دعي الصّلاة أيّام أقرائك » « 1 » والمراد أيّام الحيض . وثانيها : ما تقدّم من وروده بمعنى الحيض . وثالثها : أنا إذا قلنا : بأن الأقراء هي الحيض ، أمكن معه استيفاء ثلاثة أقراء بكمالها ؛ لأنّا نقول إنّ المطلّقة يلزمها تربّص ثلاث حيض ، وإنّما تخرج عن العهدة بزوال الحيضة الثّالثة ، ومن قال : إنّه الطّهر يجعلها خارجة من العهدة بقرءين وبعض الثّالث ؛ لأن عنده إذا طلّقها في آخر الطّهر تعتدّ بذلك قرءا ، فإذا كان في أحد القولين تكمل حقيقة اللّفظ بالثّلاثة . أجاب الشّافعي بأن قال : قال اللّه تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [ البقرة : 197 ] والأشهر جمع ، وأقلّه ثلاثة ، وقد حملناه على شهرين وبعض الثّالث ، وذلك شوّال ، وذو القعدة ، وبعض ذي الحجّة ، هكذا ههنا يجوز أن نحمل هذه الثّلاثة على طهرين وبعض الثّالث . أجاب الجبّائي عن هذا بوجهين « 2 » : الأول : أنّا تركنا الظّاهر في هذه الآية بدليل ، ولا يلزمنا أن نترك الظّاهر هنا من غير دليل . والثاني : أن في العدّة تربّصا متّصلا ، فلا بدّ من استعمال الثّلاثة ، ولا كذلك أشهر الحجّ ؛ لأنه ليس فيها فعل متصل ، فكأنّه قيل : هذه الأشهر وقت الحجّ لا على سبيل الاستغراق ، ثم إن الثّلاثة نصّ في إفرادها لا تحتمل التّنقيص ، ولا كذلك قوله : « أشهر » ؛ لأنّه ليس بنصّ في الثلاثة ؛ لأن العلماء اختلفوا في أقلّ الجمع « 3 » ، ولا
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 77 . ( 3 ) ليس محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة ، فإن ج . م . ع . بموضوعها يقتضي ضم شيء إلى مثله وذلك حاصل في الاثنين والثلاثة بلا خلاف ، وكذلك أيضا ليس محل الخلاف عند المحققين تعبير الاثنين عن أنفسهما بضمير الجمع ، ( فإنهما يقولان ) فعلنا ، وقلنا ؛ لأن العرب لم تضع للمتكلم ضمير -