عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
109
اللباب في علوم الكتاب
أصل باب الفاعل ؛ فلذلك جاز حذفه ، وعن الأخفش ذكر في « المسائل » أنهم قالوا : « قاموا أنفسهم » من غير تأكيد ، وفائدة التوكيد هنا أن يباشرن التربّص هنّ ، لا أنّ غيرهنّ يباشرنهنّ التّربّص ؛ ليكون ذلك أبلغ في المراد . فإن قيل : القروء : جمع كثرة ، ومن ثلاثة إلى عشرة يميّز بجموع القلة ولا يعدل عن القلة إلى ذلك ، إلا عند عدم استعمال جمع قلّة غالبا ، وههنا فلفظ جمع القلّة موجود ، وهو « أقراء » ، فما الحكمة بالإتيان بجمع الكثرة مع وجود جمع القلّة ؟ . فيه أربعة أوجه : أوّلها : أنه لمّا جمع المطلّقات جمع القروء ، لأنّ كلّ مطلقة تترّبص ثلاثة أقراء ؛ فصارت كثيرة بهذا الاعتبار . والثاني : أنه من باب الاتساع ، ووضع أحد الجمعين موضع الآخر . والثالث : أنّ « قروءا » جمع « قرء » بفتح القاف ، فلو جاء على « أقراء » لجاء على غير القياس ؛ لأنّ أفعالا لا يطّرد في فعل بفتح الفاء . والرابع - وهو مذهب المبرّد - : أنّ التقدير « ثلاثة من قروء » ، فحذف « من » ، وأجاز : ثلاثة حمير وثلاثة كلاب ، أي : من حمير ، ومن كلاب ، وقال أبو البقاء « 1 » : وقيل : التقدير « ثلاثة أقراء من قروء » وهذا هو مذهب المبرّد بعينه ، وإنما فسّر معناه وأوضحه . فصل [ في العدة المراة المطلقة ] اعلم أن المطلّقة هي المرأة الّتي وقع عليها الطّلاق ، وهي إمّا أن تكون أجنبية أو منكوحة . فإن كان أجنبية ، فإذا وقع الطّلاق عليها فهي مطلّقة بحسب اللّغة ، لكنّها غير مطلّقة بحسب عرف الشّرع ، والعدّة غير واجبة عليها بالإجماع . وأما المنكوحة : فإن لم يكن مدخولا بها ، لم تجب عليها العدّة ؛ لقوله تعالى : إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [ الأحزاب : 49 ] ، وإن كانت مدخولا بها : فإن كانت حاملا ، فعدّتها بوضع الحمل ؛ لقوله تعالى : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ الطلاق : 4 ] ، وإن كانت حائلا ؛ فإن امتنع المحيض في حقّها لصغر مفرط أو كبر مفرط ، فعدّتها بالأشهر ؛ لقوله تعالى : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [ الطلاق : 4 ] . وإن لم يمتنع الحيض في حقّها ؛ فإذا كانت رقيقة ، فعدّتها قرءان ، وإن كان حرّة ، فعدّتها ثلاثة قروء .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 95 .