عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
62
اللباب في علوم الكتاب
وأيضا تعجيل حقوق الآدميين أفضل من تأخيرها ، فوجب أن يكون [ الحال في أداء ] حقوق اللّه - تعالى - كذلك لرعاية التعظيم . وأيضا المبادرة والمسارعة إلى الصلاة إظهار للحرص على الطاعة ، والولوع بها ، والرغبة فيها وفي التأخير كسل عنها ، فيكون الأول أولى . [ وأيضا فإن المبادرة احتياط ، لأنه إذا أدّاها في أوّل الوقت تفرغت ذمته ، وإذا أخّرها ربما حصل له شغل ، فمنعه من أدائها ، فالوجه الذي يحصل به الاحتياط أولى . فإن قيل : تنتقض هذه الدلائل بالظّهر في شدة الحر ، وبما إذا حصل له إدراك الجماعة ، أو وجود الماء . قلنا : التأخير في هذه المواضع لأمور عارضة ، والكلام إنما هو في مقتضى الأصل ] « 1 » . فصل في التغليس في صلاة الفجر قال الشافعي - رضي اللّه تعالى عنه - التّغليس في صلاة الفجر أفضل ، وهو مذهب أبي بكر وعمر ، وقول مالك وأحمد رضي اللّه عنهم . وقال أبو محمد : يستحب أن يدخل فيها بالتّغليس . واحتج الأولون بما تقدم من الآية ، وبما روت عائشة رضي اللّه عنها قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم يصلي الصبح ، فينصرف والنساء متلفّعات بمروطهنّ ما يعرفهنّ أحد من الغلس . فإن قيل : كان هذا في ابتداء الإسلام حين كان النساء يحضرن الجماعات ، فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي بالغلس كيلا يعرفن . وهكذا كان عمر رضي اللّه عنه يصلي بالغلس ، ثم لما نهين عن الحضور في الجماعات ترك ذلك . قلنا : الأصل عدم النسخ ، وإن سلم النسخ فالمنسوخ إنما هو حضور النساء لا الصلاة . وروى أنس عن زيد بن ثابت قال : تسحّرنا مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم - ثم قمنا إلى الصلاة ، قال أنس : قلت لزيدكم كان قدر ذلك ؟ قال : قدر خمسين آية « 2 » ، وهذا يدلّ أيضا على التّغليس ، وروي عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غلّس بالصبح ، ثم أسفر مرة ، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه اللّه تعالى .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3 / 67 ) كتاب الصوم باب : قدر كم بين السحور ( 1921 ) عن زيد بن ثابت .