عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

513

اللباب في علوم الكتاب

وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ « 1 » [ الأحزاب : 10 ] وقيل : نزلت في « غزوة أحد » لما قال عبد اللّه بن أبيّ لأصحاب النبي عليه السلام إلى متى تقتلون أنفسكم ، وترجون الباطل ، ولو كان محمد نبيا ، لمّا سلّط اللّه عليكم الأسر والقتل ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية « 2 » « أَمْ حَسِبْتُمْ » ، أي : المؤمنون أن تدخلوا الجنّة بمجرد الإيمان بي ، وتصديق رسولي ، دون أن تعبدوا اللّه بكل ما تعبّدكم به ، وابتلاكم بالصبر عليه ، وأن ينالكم من أذى الكفار ، ومن احتمال الفقر ومكابدة الضر والبؤس ، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدوّ ؛ كما كان ذلك فيما كان من قبلكم من المؤمنين ، والمثل هو المثل ، وهو الشّبه ، إلّا أنّ المثل لحالة غريبة ، أو قصّة عجيبة لها شأن ؛ ومنه قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [ النحل : 60 ] أي : الصفة التي لها شأن عظيم . قوله : « مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ » في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أن تكون لا محلّ لها من الإعراب ؛ لأنها تفسيرية ، أي : فسّرت المثل وشرحته ، كأنه قيل : ما كان مثلهم ؟ فقيل : مسّتهم البأساء . والثاني : أن تكون حالا على إضمار « قد » جوّز ذلك أبو البقاء « 3 » ، وهي حال من فاعل « خلوا » . وفي جعلها حالا بعد . و « البأساء » : اسم من البؤس بمعنى الشّدّة ، وهو البلاء والفقر . و « الضّرّاء » : الأمراض ، والآلام ، وضروب الخوف . قال أبو العبّاس المقريّ : ورد لفظ « الضّرّ » في القرآن على أربعة أوجه : الأول : الضّرّ : الفقر ؛ كهذه الآية ، ومثله : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ [ يونس : 12 ] ، وقوله تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ [ النحل : 53 ] أي : الفقر . الثاني : الضّرّ : القحط ؛ قال تعالى : أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [ الأعراف : 94 ] ، أي : قحطوا . أو قوله تعالى : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ [ يونس : 21 ] أي : قحط . الثالث : الضّرّ : المرض ؛ قال تعالى : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ [ يونس : 207 ] أي : بمرض .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 289 ) عن قتادة والسدي وأورده السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 436 - 437 ) عن قتادة وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر . وأورده عن السدي ( 1 / 437 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم . ( 2 ) ذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 6 / 17 ) . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 91 .