عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

509

اللباب في علوم الكتاب

و « من » يجوز أن تكون للتبعيض ، وأن تكون للبيان عند من يرى ذلك ، تقديره : الذي هو الحقّ . وأجاز أبو البقاء « 1 » أن يكون « من الحقّ » حالا من الضمير في « فيه » ، والعامل فيها « اختلفوا » فإن قيل لم قال هداهم فيما اختلفوا فيه ، وعساه أن يكون غير حقّ في نفسه قال : « والقلب في كتاب اللّه دون ضرورة تدفع إليه عجز وسوء فهم » انتهى . قال شهاب الدّين : وهذا الاحتمال الذي جعله ابن عطية حاملا للفرّاء على ادّعاء القلب ، لا يتوهّم أصلا . قوله « بإذنه » فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بمحذوف ، لأنه حال من « الّذين آمنوا » ، أي : مأذونا لهم . والثاني : أن يكون متعلّقا بهدى مفعولا به ، أي : هداهم بأمره . قال الزّجّاج « 2 » : المراد من الإذن - هنا - العلم ، أي : بعلمه ، وإرادته فيهم ، وقيل : بأمره ، أي : حصلت الهداية بسبب الأمر ؛ كما يقال : قطعت بالسّكّين . وقيل « 3 » : لا بدّ فيه من إضمار ، تقديره : هداهم فاهتدوا بإذنه . فصل فيما اختلف فيه أهل الكتاب وهدانا اللّه إليه قال ابن زيد : هذه الآية في أهل الكتاب ، اختلفوا في القبلة فصلّت اليهود إلى بيت المقدس ، والنصارى إلى المشرق ؛ فهدانا اللّه للكعبة ، واختلفوا في الصيام ؛ فهدانا اللّه لشهر رمضان واختلفوا في الأيام ، فأخذت اليهود السّبت ، والنّصارى الأحد ؛ فهدانا اللّه للجمعة ، واختلفوا في إبراهيم ؛ فقالت اليهود : كان يهوديّا ، وقالت النصارى : كان نصرانيّا . فقلنا : إنّه كان حنيفا مسلما ، واختلفوا في عيسى : فاليهود فرّطوا ، والنّصارى أفرطوا ؛ فهدانا اللّه للحقّ فيه « 4 » . فصل في احتجاج بعضهم بالآية على أن الإيمان مخلوق والرد عليه تمسّك بعضهم « 5 » بهذه الآية على أنّ الإيمان مخلوق للّه تعالى ، وهو ضعيف ؛ لأن الهداية غير الاهتداء كما أنّ الهداية إلى الإيمان غير الإيمان ، وأيضا فإنه قال في آخر الآية : « بإذنه » ولا يمكن صرف هذا الإذن إلى قوله : « فهدى اللّه » إذ لا جائز أن يأذن لنفسه ، فلا بدّ من إضمار لصرف الإذن إليه ، والتقدير : « فهدى اللّه الّذين آمنوا

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 91 . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 6 / 17 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 17 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 283 - 284 ) عن ابن زيد . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 15 .