عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

496

اللباب في علوم الكتاب

قال : وأمّا قول المجبّرة : إنّ اللّه تعالى زيّن ذلك فهو باطل ، لأنّ المزيّن للشيء كالمخبر على حسنه ، فإن كان صادقا ، فيكون ما زينه حسنا ، ويكون فاعله مصيبا ، وذلك يوجب أنّ الكفار مصيب في كفره ، وهذا القول كفر ، وإن كان كاذبا في ذلك التزيين ، فيؤدي إلى أن لا يوثق بخبره ، وهذا - أيضا - كفر ، فثبت أنّ المزيّن هو الشيطان . قال ابن الخطيب « 1 » : وهذا ضعيف ، لأنّ قوله : « زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا » يتناول جميع الكفّار ، وهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزيّن ، فلا بدّ وأن يكون ذلك المزيّن مغايرا لهم ؛ لأنّ غواة الجنّ والإنس داخلون في الكفار أيضا ، إلّا أن يقال : إن كلّ واحد يزيّن للآخر فيصير دورا ، فثبت ضعف هذا التأويل . وأمّا قوله : « المزيّن للشّيء كالمخبر عن حسنه » فهذا ممنوع ، بل المزين من يجعل الشيء موصوفا بالزينة ، ثم لئن سلّمنا أنّ المزين للشيء هو المخبر عن حسنه ، بمعنى أنه أخبر عمّا فيها من اللّذّات والراحات ، وذلك الإخبار ليس بكذب ، وتصديقه ليس بكفر . وقال أبو مسلم « 2 » : يحتمل أنهم زيّنوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم : أين يذهب بك ؟ لا يريدون أنّ ذاهبا ذهب به ، وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة : أَنَّى يُؤْفَكُونَ [ المائدة : 75 ] ، أَنَّى يُصْرَفُونَ [ غافر : 69 ] إلى غير ذلك ، وأكّده بقوله : لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ [ المنافقون : 9 ] وأضاف ذلك إليهما ؛ لمّا كان كالسبب ولمّا كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهرا ، فالإنسان في الحقيقة هو الذي زيّن لنفسه . قال ابن الخطيب « 3 » : وهذا ضعيف ؛ لأنّ قوله : « زيّن للنّاس » يقتضي أنّ مزيّنا زينه ، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن . التأويل الثالث : أنّ المزيّن هو اللّه تعالى ، ويدلّ عليه وجهان : أحدهما : قراءة من قرأ « زيّن » مبنيّا للفاعل . والثاني : قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الكهف : 7 ] والقائلون بهذا ذكروا وجوها : الأول : أنّ هذا التزيين بما أظهره لهم في الدنيا من الزّهرة والنضارة ، والطّيب ، واللّذّة ؛ ابتلاء لعباده ؛ كقوله : « زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ » إلى قوله : قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ [ آل عمران : 14 ، 15 ] . وقال : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 46 ] ثم قال : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا [ الكهف : 46 ] فهذه الآيات متوافقة ، والمعنى : أنّ

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 6 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 6 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 6 .