عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
479
اللباب في علوم الكتاب
بالكسر ، فهما لغتان ؛ كضللت ، وضللت . و « ما » في « من بعدما » مصدريّة ، و « من » لابتداء الغاية ، وهي متعلّقة ب « زللتم » . معنى « زللتم » أي : ضللتم ، وقيل : ملتم ، يقال : زلّت قدمه تزلّ زلّا وزللا ، إذا دحضت ، وأصل الزلل في القدم ، واستعماله في الاعتقادات . فصل [ في قوله : « مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ » ] يروى عن ابن عباس : فإن زللتم في تحريم السّبت ، ولحم الإبل ، « مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ » يعني محمّدا وشرائعه ، « فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » في كلّ أفعاله ، فعند هذا قالوا : لئن شئت يا رسول اللّه ، لنتركنّ كلّ كتاب غير كتابك ، فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النساء : 136 ] ومن قال : إن الآية الأولى في المنافقين قال في هذه الآية كذلك . فإن قيل : إنّ الحكم المشروط إنما يحسن في حقّ من لا يكون عالما بعواقب الأمور ، وأجاب قتادة « 1 » عن ذلك فقال : قد علم أنّهم سيزلون ، ولكنه تعالى قدّم ذلك ، وأوعد فيه ؛ ليكون له الحجّة عليهم . فصل [ في دلائل قوله : « مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ » ] قوله : « مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ » يتناول جميع الدلائل العقليّة والسمعيّة . أمّا العقليّة ، فالعلم بحدوث العالم ، وافتقاره إلى صانع يكون عالما بكلّ المعلومات ، قادرا على كل الممكنات ، غنيّا عن كل الحاجات . وأمّا السمعيّة : فهي البيان الحاصل بالقرآن والسّنّة . فصل قال القرطبيّ « 2 » : دلت الآية على أنّ عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به ، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشّرائع . فصل [ في دلالت الآية على أنّ المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلّا بعد البيان ] قال القاضي « 3 » : دلّت الآية على أنّ المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلّا بعد البيان ، وإزاحة العلّة ، ودلت الآية على أنّ المعتبر حصول البيّنات ، لا حصول اليقين من المكلف .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 171 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 18 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 179 .