عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

476

اللباب في علوم الكتاب

لأنها تمنع ما يقتضيه ، و « كفّة الميزان » لجمعها الموزون ، ويقال : كففت فلانا عن السّوء ، أي : منعته ، ورجل مكفوف ، أي : كفّ بصره من أن يبصر ، والكفّة - بالضّمّ - لكل مستطيل ، وبالكسر ، لكلّ مستدير . وقيل : « كافة » مصدر كالعاقبة والعافية . وكافة وقاطبة ممّا لزم نصبهما على الحال ، فإخراجهما عن ذلك لحن . فصل [ في أن اللّه سبحانه وتعالى قسم الناس ] لمّا بيّن اللّه - تعالى - أقسام النّاس ، وأنهم ينقسمون إلى مؤمن ، وكافر ، ومنافق قال هاهنا : كونوا على ملّة واحدة ، على الإسلام ، واثبتوا عليه . قال ابن الخطيب « 1 » : حمل أكثر المفسرين السّلم على الإسلام ، وفيه إشكال ؛ لأنه يصير التقدير : يا أيّها الّذين آمنوا ادخلوا في الإسلام ، والإيمان هو الإسلام ، ومعلوم أنّ ذلك لا يجوز ، فلهذا ذكر المفسرون وجوها : أحدها : أنّ المراد بالآية المنافقون ، والتقدير : يا أيّها الذي آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكلّيتكم في الإسلام ، ولا تتّبعوا خطوات الشيطان ، أي آثار تزيينه ، وغروره في الإقامة على النّفاق ، واحتجوا على هذه بالآية ، فهذا التأويل على أنّ هذه الآية إنّما وردت عقيب ما مضى من ذكر المنافقين وهو قوله : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ » « الآية » فلمّا وصفهم بما ذكر ، دعاهم في هذه الآية إلى الإيمان بالقلب ، وترك النفاق . وثانيها : روي أنّ هذه الآية نزلت في طائفة من مسلمي أهل الكتاب ك « عبد اللّه ابن سلام » وأصحابه ، وذلك لأنهم كانوا يعظّمون السّبت ، ويكرهون لحمان الإبل ، بعدما أسلموا وقالوا : يا رسول اللّه : إنّ التوراة كتاب اللّه ، فدعنا فلنقم بها في صلاتنا باللّيل ، فأمرهم اللّه بهذه الآية أن يدخلوا في السّلم كافّة « 2 » [ أي : في شرائع الإسلام كافة ] « 3 » ولا يتمسّكوا بشيء من أحكام التوراة ، اعتقادا له وعملا به ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في التمسّك بأحكام التوراة بعد أن عرفتم أنها صارت منسوخة ، وقائل هذا القول جعل « كافّة » من وصف « السّلم » ، كأنه قيل : ادخلوا في جميع شعائر الإسلام اعتقادا وعملا . وثالثها : أنّ هذا الخطاب لأهل الكتاب الّذين لم يؤمنوا بالنبي - عليه السلام - يعني : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » . أي : بالكتاب المتقدم « ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً » ، أي : آمنوا بجميع أنبيائه وكتبهم ، وبمحمّد ، وكتابه على التمام ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 176 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 255 - 256 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » وعزاه للطبري عن عكرمة . ( 3 ) سقط في ب .