عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

462

اللباب في علوم الكتاب

ويقال : احرث القرآن ؛ أي : ادرسه ، وحرثت النّاقة وأحرثتها ، أي : سرت عليها حتّى هزلت ، وحرثت النّار حرّكتها والمحراث ما يحرك به نار التّنور نقله الجوهري . وقد تقدّم . والنّسل : مصدر نسل ينسل ، أي : خرج بسرعة ، ومنه : نسل وبر البعير ، ونسل ريش الطّائر ، أي : خرج وتطاير وقال القرطبيّ « 1 » : النّسل ما خرج من كلّ أنثى من ولد وأصله الخروج ، والسّقوط . وقيل : النّسل الخروج متتابعا ، ومنه : « نسال الطّائر » ما تتابع سقوطه من ريشه ؛ قال امرؤ القيس : [ الطويل ] 1014 - وإن تك قد ساءتك منّي خليقة * فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل « 2 » وقوله : مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [ النساء : 96 ] يحتمل المعنيين . و « الحرث والنّسل » وإن كانا في الأصل مصدرين فإنهما هنا واقعان موقع المفعول به . فصل في المراد ب « التولي » ذكروا في هذا التولّي قولين : أحدهما : معناه : إذا انصرف من عندك سعى بالفساد « 3 » ، وهذا الفساد يحتمل وجهين : أحدهما : إتلاف الأموال بالتّخريب ، والتّحريق ، والنّهب كما تقدّم . والوجه الثاني : أنّه كان بعد الانصراف من حضرة النّبيّ - عليه السّلام - يلقي الشّبه في قلوب المؤمنين ويستخرج الحيل في تقوية الكفر ، قال تعالى حكاية عن فرعون إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [ غافر : 26 ] وسمي هذا المعنى فسادا ، لأنّه يوقع اختلافا بين النّاس ، ويفرّق كلمتهم ، ويتبّرأ بعضهم من بعض ؛ فتنقطع الأرحام وتسفك الدماء . القول الثّاني في التّولّي والسّعي ؛ أي : رجع عن قوله واجتهد في إيقاع الفساد ، وأصل السّعي المشي بسرعة ، ولكنّه يستعار لإيقاع الفتنة بين النّاس ، ومنه يقال : فلان يسعى بالنّميمة ، والمراد ب « الحرث » الزّرع وب « النّسل » : تلك الحمر على التّفسير الأوّل ، وهو يقع على ما يحرث ويزرع . وقيل : إنّ الحرث هو شقّ الأرض ، ويقال لما يشقّ به : محرث .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 14 . ( 2 ) ينظر : ديوانه ( 13 ) ، شرح القصائد العشر ( 76 ) ، الدر المصون : 1 / 506 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 237 ) عن ابن عباس .