عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

460

اللباب في علوم الكتاب

أحوال النّاس وما يبدو من إيمانهم ، وصلاحهم ؛ حتى يبحث عن باطنهم ؛ لأنّ اللّه تعالى بيّن أحوال النّاس ، وأنّ منهم من يظهر قولا جميلا ، وهو ينوي قبيحا . فإن قيل : هذا يعارض قوله عليه السّلام : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا : لا إله إلّا اللّه » « 1 » . وقوله : « فأقضي له بنحو ما أسمع » . فالجواب : هذا كان في صدر الإسلام ، حيث كان إسلامهم سلامتهم ، وأمّا الآن ، وقد عمّ الفساد ، فلا ، قاله ابن العربيّ « 2 » . والصّحيح : أنّ الظّاهر يعمل عليه ، حتّى يبين خلافه . قوله تعالى : « وَإِذا تَوَلَّى سَعى » « سعى » جواب إذا الشّرطيّة ، وهذه الجملة الشّرطية تحتمل وجهين . أحدهما : أن تكون عطفا على ما قبلها ، وهو « يعجبك » ، فتكون : إمّا صلة ، أو صفة حسب ما تقدّم في « من » . والثاني : أن تكون مستأنفة لمجرّد الإخبار بحاله ، وقد تمّ الكلام عند قوله : « ألدّ الخصام » . والتّولّي والسّعي يحتملان الحقيقة ، أي : تولّى ببدنه عنك وسعى بقدميه ، والمجاز بأن يريد بالتولّي الرّحوع عن القول الأوّل ، وبالسّعي العمل والكسب من السّعاية ، وهو مجاز شائع ؛ ومنه : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] ، وقال امرؤ القيس : [ الطويل ] 1011 - فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني - ولم أطلب - قليل من المال ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل * وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي « 3 » وقال آخر : [ السريع ] 1012 - أسعى على حيّ بني مالك * كلّ امرئ في شأنه ساعي « 4 » والسّعاية بالقول ما يقتضي التّفريق بين الأخلّاء ؛ قال القائل : [ السريع ]

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 12 . ( 3 ) ينظر : ديوانه ص 39 ، والإنصاف 1 / 84 ، وتذكرة النحاة ص 339 ، وخزانة الأدب 1 / 327 ، 462 ، والدرر 5 / 322 ، وشرح شذور الذهب ص 296 ، وشرح شواهد المغني 1 / 342 ، 2 / 642 ، وشرح قطر الندى ص 199 ، والكتاب 1 / 79 ، والمقاصد النحوية 3 / 35 ، وهمع الهوامع 2 / 110 ، وشرح الأشموني 1 / 201 ، 3 / 602 ، وشرح شواهد المغني 2 / 880 ، ومغني اللبيب 1 / 256 ، والمقتضب 4 / 76 ، والمقرب 1 / 161 . والدر المصون 1 / 506 . ( 4 ) البيت لأبي القيس بن الأسلت . ينظر : البحر 2 / 115 ، اللسان : سعى ، الدر المصون : 1 / 506 .