عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

450

اللباب في علوم الكتاب

وخامسها : أنّه ذكر هذا الكلام ؛ مبالغة في أن الحجّ يكفّر الذّنوب والآثام ؛ كما إذا تناول الإنسان التّرياق فيقول له الطّبيب : إن تناولت السّمّ فلا ضرر وإن لم تتناوله فلا ضرر ، ومقصوده بيان أن التّرياق دواء كامل في دفع المضار ، لا بيان أن تناول السّمّ وعدم تناوله يجريان مجرّى واحدا ؛ فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون الحجّ مكفّرا لكلّ الذّنوب ؛ لأن التّعجيل وتركه سيّان ؛ ومما يدلّ على أن الحجّ سبب قويّ في تكفير الذّنوب قوله - عليه السّلام - « من حجّ فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » « 1 » ، وهنا قول عليّ وابن مسعود . فصل [ في قراءة « فلا إثم » ] وقرأ الجمهور « فلا إثم » بقطع الهمزة على الأصل ، وقرأ « 2 » سالم بن عبد اللّه : « فل اثم » بوصلها وحذف ألف لا ، ووجهه أنه خفّف الهمزة بين بين فقربت من الساكن ، فحذفها ؛ تشبيها بالألف ، فالتقى ساكنان : ألف « لا » وثاء « إثم » ، فحذفت ألف « لا » ؛ لالتقاء الساكنين ، وقال أبو البقاء « 3 » - رحمه اللّه تعالى - : « ووجهها أنّه لمّا خلط الاسم ب « لا » حذف الهمزة ؛ تشبيها بالألف » يعني أنه لمّا ركّبت « لا » مع اسمها ، صارا كالشئ الواحد ، والهمزة شبيهة الألف ، فكأنه اجتمع ألفان ، فحذفت الثانية لذلك ، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون الثّاء . فصل [ في رمي الجمرة ] قال القرطبي : روى الثّقات ؛ أن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمر أمّ سلمة أن تصبح بمكّة يوم النّحر ، وكان يؤمّها « 4 » ، وهذا يدلّ على أنّها رمت الجمرة بمنى قبل الفجر ؛ لأن هذا لا يكون إلّا وقد رمت الجمرة بمنى ليلا قبل الفجر . وروى أبو داود عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ؛ أنّها قالت : « أرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأمّ سلمة ليلة يوم النّحر ، فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت « 5 » ، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عندها » . فإذا ثبت ذلك فالرّمي باللّيل جائز لمن فعله ، والاختيار من طلوع الشّمس إلى زوالها ، وأجمعوا على أن من رماها قبل غروب الشّمس من يوم النّحر ، فقد أجزأ ولا شيء عليه ، إلا مالكا ؛ فإنه قال : يستحب له أن يهرق دما .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر : البحر المحيط 2 / 120 ، والدر المصون 1 / 502 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 2 / 88 . ( 4 ) انظر : تفسير القرطبي « الجامع الأحكام القرآن » ( 3 / 6 ) . ( 5 ) أخرجه أبو داود ( 1 / 598 ) كتاب المناسك : باب التعجيل من جمع ( 1942 ) .