عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
448
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أن تكون شرطية ، ف « تعجّل » في محلّ جزم ، والفاء في قوله : « فلا » جواب الشرط والفاء وما في حيّزها في محلّ جزم أيضا على الجواب . والثاني : أنها موصولة ب « تعجّل » فلا محلّ ل « تعجّل » ؛ لوقوعه صلة ، ولفظه ماض ، ومعناه يحتمل المضيّ والاستقبال ؛ لأنّ كلّ ما وقع صلة ، فهذا حكمه ؛ والفاء في « فلا » زائدة في الخبر ، وهي وما بعدها في محلّ رفع خبرا للمبتدأ . قال القرطبي : « من » في قوله : « فَمَنْ تَعَجَّلَ » رفع بالابتداء ، والخبر « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » ، ويجوز في غير القرآن : فلا إثم عليهم ؛ لأن معنى « من » جماعة ؛ كقول - تبارك وتعالى - : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [ يونس : 42 ] ، وكذلك « من تأخّر » . و « في يومين » متعلّق ب « تعجّل » ولا بدّ من ارتكاب مجاز ؛ لأن الفعل الواقع في الظرف المعدود يستلزم أن يكون واقعا في كلّ من معدوداته ، تقول : « سرت يومين » لا بد وأن يكون السير وقع في الأول والثاني أو بعض الثاني ، وهنا لا يقع التعجيل في اليوم الأول من هذين اليومين بوجه ، ووجه المجاز : إمّا من حيث إنّه نسب الواقع في أحدهما واقعا فيها ؛ كقوله : نَسِيا حُوتَهُما [ الكهف : 61 ] و يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [ الرحمن : 22 ] ، والنّاسي أحدهما ، وكذلك المخرج من أحدهما ، وإمّا من حيث حذف مضاف ، أي : في تمام يومين أو كمالهما . و « تعجّل » يجوز أن يكون بمعنى « استعجل » ك « تكبّر ، واستكبر » ، أو مطاوعا ل « عجّل » نحو « كسّرته فتكسّر » ، أو بمعنى المجرّد ، وهو « عجل » ، قال الزمخشريّ : « والمطاوعة أوفق » ؛ لقوله : « ومن تأخّر » ؛ كما هي في قوله : [ البسيط ] 1006 - قد يدرك المتأنّي بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزّلل « 1 » لأجل قوله « المتأنّي » . و « تعجّل واستعجل » يكونان لازمين ومتعدّيين ، ومتعلّق التعجيل محذوف ، فيجوز أن تقدّره مفعولا صريحا ، أي : من تعجّل النّفر ، وأن تقدّره مجرورا أي : بالنّفر ، حسب استعماله لازما ومتعدّيا . وفي هذه الآيات من علم البديع : الطباق ، وهو ذكر الشيء وضده في « تعجّل وتأخّر » ، فهو كقوله : « أضحك وأبكى » و أَماتَ وَأَحْيا [ النجم : 43 ، 44 ] ، وهذا طباق غريب ، من حيث جعل ضدّ « تعجّل » : « تأخّر » ، وإنما ضدّ « تعجّل » : « تأنّى » ، وضدّ « تأخّر » : « تقدّم » ، ولكنه في « تعجّل » عبّر بالملزوم عن اللازم ، وفي « تأخّر » باللازم عن الملزوم ، وفيها من علم البيان : المقابلة اللفظيّة ، وذلك أن المتأخّر بالنّفر آت بزيادة في العبادة ، فله زيادة في الأجر على المتعجّل ، فقال في حقه أيضا : « فلا إثم عليه » ؛ ليقابل
--> ( 1 ) البيت للقطامي . ينظر : ديوانه ( 2 ) ، ومجالس ثعلب 2 / 369 ، شواهد الكشاف 4 / 477 .