عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

440

اللباب في علوم الكتاب

وعن عبد اللّه بن السّائب ؛ أنّه سمع النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - يقول فيما بين ركن بني جمح والرّكن الأسود « رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ » « 1 » . فصل [ في منشأ البحث في الآية الكريمة ] قال ابن الخطيب « 2 » : اعلم أن منشأ البحث في الآية الكريمة أنّه لو قيل : آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة ، لكان ذلك متناولا لكل الحسنات ، ولكنه قال : « آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً » ، وهذا نكرة في محلّ الإثبات ، فلا يتناول إلّا حسنة واحدة ؛ فلذلك اختلف المفسّرون ، فكل واحد منهم حمل اللّفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة ، وهذا بناء منه على أنّ الفرد المعرّف بالألف واللّام يعمّ « 3 » ، وقد اختار في « المحصول » خلافه .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود كتاب الحج باب : الدعاء في الطواف ( 1892 ) والنسائي في « الكبرى » كما في « تحفة الأشراف » ( 4 / 347 ) وأحمد ( 3 / 411 ) والشافعي في « مسنده » ص 127 والبغوي في « شرح السنة » ( 7 / 128 ) رقم ( 1915 ) وابن حبان ( 109 ) والبيهقي ( 5 / 84 ) والحاكم ( 1 / 455 ) وعبد الرزاق ( 8963 ) وابن أبي شيبة ( 4 / 108 ، 10 / 368 ) وابن سعد ( 2 / 1 / 129 ) وابن الجارود في « المنتقى » ( 456 ) . وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 161 . ( 3 ) اسم الجنس بأقسامه فإذا دخلت عليه الألف واللام سواء الاسم ؛ كالذهب ، والفضة ، أو الصفة المشتقة ؛ كالضارب ، والمضروب ، والقائم ، والسارق ، والسارقة ، فإن كان للعهد ، فخاص ، سواء الذّكري ؛ كقوله تعالى : كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا . فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [ سورة المزمل : 15 ، 16 ] أو الذّهني ؛ كقوله تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [ سورة الفرقان : 27 ] ، فإن اللّام في الرسول للعهد ، وهو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإن لم يجر له ذكر في اللفظ ، وإن لم يرد به معهود ، فاختلفوا فيه على أقوال : أحدها : أنه يفيد استغراق الجنس ، ونقل عن نص الشافعي في « الرسالة » ، و « البويطي » ، ونقله أصحابه عنه في قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [ سورة البقرة : 275 ] ، وهو كذلك في « الأم » من رواية الربيع ؛ ويدل عليه قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ سورة المنافقون : 8 ] إنكارا على قول عبد اللّه بن أبيّ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [ سورة المنافقين : 8 ] فدلّ على أن اسم الجنس المعرّف يعمّ ، ولولا ذلك ، لما تطابق ، والفقهاء كالمجمعين عليه في استدلالهم بنحو وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ [ سورة المائدة : 38 ] ، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي [ سورة النور : 2 ] ، وهو الحق ؛ لأن الجنس معلوم قبل دخول الألف واللام ، فإذا دخلتا ولا معهود ، فلو لم يجعله للاستغراق ، لم يفد شيئا جديدا . وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني ، وسليم الرّازي في « التقريب » : « إنه المذهب » ونقله الأستاد أبو منصور عن القائلين بالصيغ . قال القاضي عبد الوهاب : وهو قول جمهور الأصوليين ، وكافة الفقهاء ، وقال به أبو عبد اللّه الجرجاني ، ونسبه لأصحابه الحنفية . وقال القرطبي : إنه مذهب مالك وغيره من الفقهاء . وقال الباجي : « إنه الصحيح » ، وبه قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، وابن برهان ، وابن السّمعاني ، والجبّائي ، ونصره عبد الجبار ، وصححه الكيا الطبري ، وابن الحاجب . ونقله الآمدي عن الشافعي والأكثرين ، ونقله الإمام فخر الدين عن المبرّد والفقهاء . -