عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
42
اللباب في علوم الكتاب
الثالث : لو كان استقبال العين واجبا إما علما أو ظنّا ، ومعلوم أنه لا سبيل إلى ذلك الظن إلا بنوع من أنواع الأمارات ، وما لا يتأدّى الواجب إلّا به فهو واجب ، فكان يلزم أن يكون تعلم تلك الأمارات فرض عين على كل واحد من المكلفين ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن استقبال العين غير واجب . فصل في وجوب الاستقبال في عموم الأمكنة دلّ قوله تعالى : « وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » على وجوب الاستقبال في عموم الأمكنة في الصلاة وغيرها ، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام : « خير المجالس ما استقبل به القبلة » خرج منه الصلاة حال المسايفة ، والخوف ، والمطلوب والخائف والهارب من العدود ، ويبقى فيما عداه على مقتضى الدليل . فإن قيل : قوله تعالى : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ تكرار لقوله : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . فالجواب : أن هذا ليس بتكرار ، وبيانه من وجهين : أحدهما : أن قوله تعالى : « فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » خطاب مع الرسول - عليه السلام - لا مع الأمة . وقوله : « وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » خطاب مع الكل . وثانيهما : أن المراد بالأولى مخاطبتهم ، وهم ب « المدينة » خاصة ، وقد كان من الجائز لو وقع الاقتصار عليه أن يظن أن هذه القبلة لأهل « المدينة » خاصة ، فبيّن اللّه تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة . [ قوله تعالى : « وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » . قال السّدّي : هم اليهود خاصة ، والكتاب : التوراة « 1 » . وقال غيره : أحبار اليهود ، وعلماء النصارى ؛ لعموم اللفظ ، والكتاب التوراة والإنجيل . فلا بد أن يكون عددا قليلا ؛ لأن الكثير لا يجوز عليهم التواطؤ على الكتمان ] « 2 » . قوله تعالى : « أَنَّهُ الْحَقُّ » يحتمل أن تكون « أن » واسمها وخبرها سادّة مسدّ المفعولين ل « يعلمون » عند الجمهور ، ومسدّ أحدهما عند الأخفش ، والثاني محذوف على أنها تتعدى لاثنين ، وأن تكون سادّة مسد مفعول واحد على أنها بمعنى العرفان . وفي الضمير ثلاثة أقوال :
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 183 ) عن السدّي . ( 2 ) سقط في ب .