عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
412
اللباب في علوم الكتاب
فلماذا قال : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ . قلنا لأنه أمر قبله بالسّعي ، ونهى عن البيع ، فقال : إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ فنهى عن البيع بعد النّداء ، فلمّا قال بعده : « فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ » ، كأنّه قال : إنّ المانع الذي منعكم من البيع قد زال ؛ فانتشروا في الأرض ، وابتغوا من فضل اللّه . وأمّا قياس الحجّ على الصلاة ، فالفرق بينهما : أنّ الصلاة أعمالها متّصلة ، فلا يحلّ في أثنائها التشاغل بغيرها ، وأمّا أعمال الحج ، فهي متفرّقة بعضها عن بعض ، ففي خلالها لا يبقى المرء على الحكم الأول ، فتصير الصلاة عملا واحدا من أعمال الحج ، لا مجموع الأعمال ، وأيضا فقوله : « فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ » تصريح بأنّ الابتغاء بعد انقضاء الحج . فإن قيل : حكم الحاج باق في كل تلك الأوقات ؛ بدليل حرمة التطيب « 1 » واللّبس . فالجواب : هذا قياس في مقابلة « 2 » النص . القول الثاني : قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر : المراد بقوله تعالى : « أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ » هو أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجّا أعمالا أخر ، تكون موجبة لاستحقاق فضل اللّه ورحمته مثل إعانة الضّعيف ، وإغاثة الملهوف ، وإطعام الجائع « 3 » ، واعترض عليه القاضي : بأنّ هذا واجب ، أو مندوب ، ولا يقال في مثله : لا جناح عليكم فيه ، إنّما يذكر هذا اللفظ في المباحات « 4 » . والجواب : لا نسلّم أنّ هذا اللفظ لا يذكر إلّا في المباحات لقوله تعالى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [ النساء : 101 ] والقصر مندوب وكما قال تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [ البقرة : 158 ] والطواف ركن في الحج ، وإنّما أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أنّ ضمّ سائر الطاعات إلى الحجّ ، يوقع خللا في الحج ، ونقصا ؛ فبيّن اللّه تعالى بقوله : « لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ » أنّ الأمر ليس كذلك . فصل [ في إباحة وعدم إباحة التجارة في الحج ] اتفقوا على أنّ التجارة إن أوقعت نقصا في الطاعة ، لم تكن مباحة ، وإن لم توقع نقصا في الطاعة ، كانت مباحة ، وتركها أولى ؛ بقوله تعالى وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البينة : 5 ] ، والإخلاص هو ألّا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة ، والحاصل أنّ الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرّخص .
--> ( 1 ) في بي : التغليب . ( 2 ) في ب : معاملة . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 147 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 147 .