عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
410
اللباب في علوم الكتاب
ل « فضلا » ، فيكون منصوب المحلّ ، متعلّقا بمحذوف . و « من » في الوجهين لابتداء الغاية ، لكن في الوجه الثاني تحتاج إلى حذف مضاف أي : فضلا كائنا من فضول ربكم . فصل [ في شبهة تحريم التجارة في الحج ] قوله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا يدلّ على أنّ شبهة قامت عندهم في تحريم التجارة من وجوه : أحدها : أنّه تبارك وتعالى منع الجدال في الحجّ ، والتّجارة كثيرة الإفضاء إلى المنازعة في قلّة القيمة وكثرتها ؛ فوجب أن تكون التجارة محرّمة . ثانيها : أنّ التجارة كانت محرمة في وقت الحج في الجاهلية ، وذلك شيء حسن ؛ لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة اللّه تعالى ، فوجب ألّا يشوب هذا العمل بالأطماع الدّنيويّة . وثالثها : أنّ المسلمين علموا أنّ كثيرا من المباحات صارت محرمة عليهم في الحج : كاللّبس ، والاصطياد ، والطّيب ، والمباشرة ، فغلب على ظنّهم أنّ الحجّ لمّا صار سببا لحرمة اللبس مع الحاجة إليه ، فأولى منه تحريم التجارة ؛ لقلة الاحتياج إليها . ورابعها : عند الاشتغال بالصلاة يحرم الاشتغال بالتجارة ؛ قال تعالى : إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [ الجمعة : 9 ] فلهذا السبب ، بيّن اللّه تعالى - هاهنا - أنّ التجارة جائزة غير محرّمة . فإذا عرف هذا ، فذكر المفسّرون في قوله : « أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ » وجهين : الأوّل : أنّ المراد هو التجارة ؛ نظيره قوله تعالى : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ المزمل : 2 ] وقوله : جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [ القصص : 73 ] ويدلّ عليه ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزّبير أنّهم قرأوا « 1 » : « أن تبتغوا فضلا من ربّكم في مواسم الحجّ » . وقال ابن عباس : كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيّام الحجّ ، وإذا دخل العشر ، بالغوا في ترك البيع والشّراء بالكلية ، وكانوا يسمّون التاجر في الحج الدّاجّ ، ويقولون : هؤلاء الدّاجّ ، وليسوا بالحاجّ . ومعنى الدّاجّ : المكتسب الملتقط ، وهو مشتقّ من الدّجاجة وبلغوا في الاحتراز عن الأعمال إلى أن امتنعوا من إغاثة الملهوف والضعيف وإطعام الجائع ؛ فأزال اللّه هذا الوهم وبيّن أنّه لا جناح في التجارة ، ولما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج « 2 » ، وما بعدها في الحج ، وهو قوله تعالى « فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ »
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 103 . ( 2 ) انظر : التفسير الكبير للفخر الرازي 5 / 146 .