عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

407

اللباب في علوم الكتاب

وقيل : جعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم ؛ حتى لا يوجد ما نهوا عنه . قوله : « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » فيه قولان : أحدهما : أن المراد تزوّدوا من التّقوى ؛ لقوله « فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » فتحقيق [ الكلام فيه : أنّ ] « 1 » الإنسان له سفران ، سفر في الدنيا ، وسفر من الدّنيا . فالسّفر في الدنيا ، لا بدّ له من زاد ، وهو الطّعام ، والشّراب ، والمركب ، والمال . والسّفر من الدنيا لا بدّ له - أيضا - من زاد ، وهو معرفة اللّه تعالى ومحبته والإعراض عمّا سواه ، وهذا الزاد خير من الزّاد الأوّل لوجوه : أحدها : أنّ زاد الدّنيا [ يخلصك من عذاب منقطع ، وزاد الآخرة يخلّصك من عذاب دائم ، وزاد الدّنيا ] « 2 » يوصلك إلى لذّة ممزوجة بالآلام ، والبلايا ، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذّات باقية خالصة عن شوائب المضرّة ، وزاد الدنيا يوصلك إلى دنيا منقضية ، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة ، وهي كلّ ساعة من الإقبال ، والقرب ، والوصول غير منقضية وزاد الدنيا يوصلك إلى منصة الشّهوة والنّفس وزاد الآخرة يوصلك إلى حضرة الجلال والقدس ؛ فلهذا قال : « خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » فاشتغلوا بتقواي يا أولي الألباب ، يعني : إن كنتم من أولي الألباب الّذين يعلمون حقائق الأمور فاشتغلوا بتحصيل هذا الزاد ؛ لما فيه من كثرة المنافع ؛ وفي هذا المعنى قال الأعشى : [ الطويل ] 995 - إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى * ولا قيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على ألّا تكون كمثله * وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا « 3 » والقول الثّاني : أنّ هذه الآية الكريمة نزلت في أناس من أهل اليمن « 4 » ، كانوا يحجّون بغير زاد ، ويقولون : إنّا متوكّلون وكانوا يسألون « 5 » وربما ظلموا الناس وغصبوهم ؛ فأمرهم اللّه تعالى أن يتزوّدوا ما يبلغون به ، فإنّ خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السّؤال ، وأنفسكم عن الظلم . وعن ابن زيد ، أنّ بعض قبائل العرب كانوا يحرّمون الزاد في الحج ، والعمرة « 6 » ؛ فنزلت الآية .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر : الرازي 5 / 144 . ( 4 ) بالتحريك ، قيل : سميت « اليمن » ؛ لتيامنهم إليها لما تفرقت العرب من مكة ؛ كما سميت « الشام » لأخذهم الشمال ، والبحر : محيط بأرض اليمن من المشرق إلى الجنوب ، ثم راجعا إلى الغرب ينظر : مراصد الاطلاع 3 / 1483 . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 44 ، والبغوي 1 / 173 . ( 6 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 144 .