عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
40
اللباب في علوم الكتاب
سواء كان مستقبلا الكعبة أم لا ، فوجب أن يخرج على العهدة . وروى أبو هريرة - رضي اللّه عنه - أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : « ما بين المشرق والمغرب قبلة » « 1 » . قال أصحاب الشافعي رحمه اللّه تعالى : ليس المراد من هذا الحديث أن كلّ ما يصدق عليه أنه بين مشرق ومغرب فهو قبلة ؛ لأن جانب القطب الشمالي يصدق عليه ذلك ، وهو بالاتفاق ليس بقبلة ، بل المراد أن الشيء الذي هو بين مشرق معين ، ومغرب معين قبلة ، ونحن نحمل ذلك على الذي يكون بين المشرق الشتوي ، وبين المغرب الصيفي ، فإن ذلك قبلة ، وذلك لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل ، والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خطّ الاستواء بمقدار الميل ، والذي بينهما هو سمت « مكة » . قالوا : فهذا الحديث بأن يدل على مذهبنا أولى منه بالدلالة على مذهبكم ، أما فعل الصحابة فمن وجهين : الأول : أن أهل مسجد « قباء » كانوا في صلاة الصبح ب « المدينة » مستقبلين لبيت المقدس ، مستدبرين للكعبة ؛ لأن « المدينة » بينهما . فقيل لهم : ألا إن القبلة قد حوّلت إلى الكعبة ، فاستداروا في أثناء الصّلاة من غير طلب دلالة ، ولم ينكر النبي صلى اللّه عليه وسلم عليهم ، وسمى مسجدهم ب « ذي القبلتين » ومقابلة العين من المدينة إلى « مكة » لا تعرف إلا بأدلّة هندسية يطول النظر فيها ، فكيف أدركوها على البديهة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ؟ الثاني : أن الناس من عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام ، ولم يحضروا قط مهندسا عند تسوية المحراب ، ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة . وأما القياس فمن وجوه : الأول : لو كان استقبال عين الكعبة واجبا ، إما علما أو ظنّا ، وجب ألّا تصح صلاة أحد قط ؛ لأنه إذا كان محاذاة الكعبة مقدار نيف وعشرين ذراعا ، فمن المعلوم أن أهل المشرق والمغرب يستحيل أن يقفوا في محاذاة هذا المقدار ، بل المعلوم أن الذي يقع منهم في محاذاة هذا القدر القليل قليل بالنسبة إلى كثير . ومعلوم أن العبرة في أحكام الشرع بالغالب ، والنادر ملحق به ، فوجب ألّا تصح
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2 / 171 - 172 ) رقم ( 342 ) والنسائي ( 4 / 172 ) وابن ماجة ( 1011 ) والحاكم ( 1 / 205 ) والدارقطني ( 1 / 270 ) والبيهقي ( 2 / 9 ) وابن أبي شيبة ( 2 / 362 ) وعبد الرزاق ( 3633 و 3634 و 3635 و 6336 ) وانظر تلخيص الحبير ( 1 / 213 ) ونصب الراية ( 1 / 303 ) .